السمات العامة لمنهج التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين

السمات العامة لمنهج التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين

بقلم الدكتورة: ليليا شنتوح، جامعة الجزائر,

يمكننا تلخيص سمات منهج التغييري في المشروع الياسيني العام من خلال النقاط الآتية:

 التركيز على القرآن الكريم: كركيزة مباشرة في العملية التغييرية، يظهر ذلك جليا في عدة مواقف وأقوال له، نذكر بعضها قوله:” القرآن هو البرهان والفرقان والاحسان،  ويشرح معنى القرآن هو البرهان ، بمعنى أنه المرجع المطلق في المعرفة والتقويم والحكم، على الأشخاص والأفعال والأفكار، في الماضي والحاضر والمستقبل، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا، 1والقرآن هو الفرقان: أي بالقرآن بعرف الحق من الباطل ، والعدل من الظلم، والخير من الشر، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ، 2وأخيرا القرآن هو الإحسان بمعنى أهدى ورحمة وبشرى للمحسنين، قال تعالى: الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ 3أي نزل ليتلى فيتجسد في حقائق قلبية وواقعية وعينية قابلة للقياس يحياها الناس حياة نابضة بالأخوة والقوة. 4
ويؤكد على قيمة القرآن عند سلفنا الصالح، فيقول : « كان القرآن عند سليمي الفطرة سلفنا الصالح هو العلم: هو مرجع المتعلم، ومدوّنة القاضي، ودليل المجتهد، ووثيقة المؤرخ، ودستور الحاكم، وقانون الأخلاق، ومحاسبة الاقتصاد، وضابط العلاقات البشرية، وعقد السلم، وإعلان الحرب. وعلى حواشيه المقدسة الشرح النبويّ، وحي من الوحي، وقبس من السماء» 5، ولهذا يلح على ضرورة الاعتماد على القرآن الكريم كأساس في التغييري الاجتماعي لدولة القرآن ، فيقول: «دولة القرآن إنما تستحق الاسم إن اتخذنا القرآن إماما، كل القرآن، في كل المجالات، فإن الضلالة لا توافق الهدى» 6، ويؤكد من جهة أخرى أن كتاب الله هوالحبل المتين والذكر الحكيم، وتربية جند الله ترتكز على الاستمساك بهذا الحبل، وبهذه العروة-ويقصد القرآن الكريم- التي من يمسك بها نجا. 7

خاصية التطبيق العملي: لم يكن المشروع التغييري الذي خطه الشيخ العلامة عبد السلام ياسين مجرد مشروع نظري تأملي ينتهي عند حدود العقل المجرد  بل كان مشروعا همه الأساسي هو  التطبيق الواقعي، وهذا ما ترجمه الشيخ بنفسه طيلة عقود من حياته من خلال تأسيسه لجماعة العدل والإحسان، ومحاولة تكوينه لجماعات من الشباب المسلم، خلقه القرآن الكريم ونهجه نهج السيرة النبوية والسلف الصالح والخلافة الراشدة، ومن أقواله التي تدل على إلحاحه على ضرورة التطبيق العملي لبرنامجه التغيير قوله: « فأحرى عرض برنامج قابل للتطبيق في ميدان السياسة والاقتصاد وتغيير المجتمع.. » 8، وقد أكد مرارا وتكرارا أن التوفيق الإلهي يرتبط بسعي المؤمن بالعمل من أجل النجاح المثمر، قائلا: «يصحب التوفيق الإلهي سعي المؤمنين» 9، كما بين أن ابتعاد الناس عن المنهج التطبيقي لحقائق القرآن الكريم لا يعود بالأثر الإيجابي على الأمة، فقال: « فمِن فَرط ابتعاد الناس عن المنهاج العملي السلوكي التدافعي البنائي استحال القرآن كلاما من الكلام (أستغفر الله) وإيديولوجية تنافح عن مسلماتها، فغابت حقائقه عن الأذهان والأنفس والواقع وتقلص أثرها في الأمة». 10
البحث عن الفريق الذي يتبنى تحمل تبليغ مضمون الخطة الاصلاحية، ثم اعداده اعدادا شاملا، يجعله مستعدا للنصيحة بكل مكاسب الدنيا في سبيل التبليغ يقول الشيخ في كتابه نظرات في الفقه والتاريخ ما نصه: « وجدير بنا ونحن نخطط لإنزال أحكام الشرع منازل الشرف والعزة وننظر إلى الأمر الإلهي من زاوية الطلب لا من زاوية الحفظ، أن نذكر الوسائل التربوية والعلمية والمادية  الجهادية القادرة على تحقيق مطالب الشرع وأن نبحث عن الكيان الجماعي المكلف بالنهوض بهذه المطالب» 11، فسمى طلبته ب( جماعة العدل والإحسان) ليكون لهم رابط معنوي يربطهم بعد رابطة الأخوة، وكان يهتم بما يطرحون من أسئلة واستفسارات بعناية ويجيب عنها دون اهمال واحد منها ويعتذر عند تعذر الاجابة، أو المراسلة، ومن بين نصائحه ليبقوا جماعة راسخين لأجل الحق متعاونين على تبليغه متكاملين في أدائه.
توصيته  بأهمية الجماعة في المشروع التغييري، بقوله: «لا جهاد إلا بجماعة منظمة » 12، أي أنه لا يمكن تغيير واقعنا وتعبئة الجهود وتوجيه الطاقات إلا بكيان جماعي عضوي حي منظم تقوده طليعة مجاهدة ، ويقول كذلك: « فكر متكامل، وخطة واضحة ، وآفاق معروضة عل الجماهير» 13، وهذه الجماعة متوافرة على روح التنظيم ، وقد حصرها الشيخ في أربعة هي:” المحبة، النصيحة، والشورى، والطاقة، يقول الأستاذ عبد السلام موضحا ذلك: «الحب في الله، والتناصح، والتشاور في الله والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر ثلاث نواظم لا تقوم إحداها مقام الأخرى، ولا يقوم جسم إسلامي على جهاد إسلامي إلا به.» 14
تحذيره من فتح باب الفرقة ودعوته لتجنب وقوع أي مصادمة حتى مع الذين اعتدوا وظلموا، فقال: «إنه لابد أن يتكلم الفضلاء الديمقراطيون مع الإسلاميين إن لم يكن بدافع حب الحقيقة والانصياع للكلمة السواء، فلا أقل من مد جسور التواصل والتفاهم لإحباط سياسة (فرق تسد) التي تحيد قوة سياسية بقوة لتبقى الأمة الإسلامية ممزقة الجهود حائرة متفرجة على ما يتجاذب ويتقارب وما يتباعد، ويتجاوب من اصطراع فرقي غامض».

المصدر: مشروع التغيير الاجتماعي في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين، مؤتمر التغيير في نظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين، مفهومه وإشكالاته وقضاياه، إسطنبول 16 ـ 17 يناير/ كانون الثاني 2016


[1] النساء:  174.
[2] الفرقان: 01.
[3]  لقمان،: 01-03.
[4] ياسين عبد السلام ، القرآن والنبوة، بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 1431هـ-2010م، ص31.
[5] ياسين عبد السلام ، إمامة الأمة، ص144.
[6] ياسين عبد السلام، القرآن والنبوة، ص16.
[7] ياسين عبد السلام،  المنهاج النبوي تربية وتنظيما، ص150
[8] ياسين عبد السلام،  مقدمات، ص19.
[9] ياسين عبد السلام ، القرآن والنبوة، ص28.
[10] المرجع نفسه، ص12.
[11] ياسين عبد السلام،  نظرات في الفقه والتاريخ، ص55.
[12] ياسين عبد السلام ، المنهاج النبوي تربية ، ص56
[13] ياسين عبد السلام ، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص11.
[14] ياسين عبد السلام،  المنهاج النبوي تربية ، ص81.

2 Comments

  • عبد الرحمان on

    السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
    جزاك الله خيرا عن هذا المجهود المبارك إنشاءالله
    ملاحظتي تخص بعض الأخطاء أظن انها غير إرادية
    – النواظم هي ثلاثة و ليست أربعة و قد ذكر في الاستشهاد الذي أضفت .
    – مستعدا للتضحية و ليس للنصيحة. مستعدا للتضحية بكل مكاسب الدنيا …
    – المحبة و النصيحة و الشورى و الطاعة. وليست الطاقة كما اسلفت و شكرًا

    أجب
  • أم عبد الرحمن on

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    أغلب هذه الأخطاء راجعة للرقن والكتابة وهي أكيد ليست متعمدة خاصة كلمة الطاعة والنصيحة، أما خصائص روح التنظيم عند الجماعة فهي أربعة بدليل النص نفسه، فقد حصرها الأستاذ ياسين من خلال النص في أربعة خصائص هي الحب في الله والتناصح والتشاور والطاعة، أما النواظم فهي داخلة في أولي الأمر، ولم تدرجها الباحثة ، فمحل الشاهد من الكلام ما قبله وهو ما يفهم من سياق النص وشكرا.

    أجب

أضف تعليقك