مقومات إصلاح التعليم عند الأستاذ المربي عبد السلام ياسين

مقومات إصلاح التعليم عند الأستاذ المربي عبد السلام ياسين

يحتل التعليم مكان الصدارة، وأولى الأولويات في فكر المرشد عبد السلام ياسين، باعتباره المجال الأنسب للتربية والتأثير لتحقيق الغاية التي خلق الله تعالى الإنسان من أجلها، وهي غاية عبادة الله تعالى وعمارة الأرض. يقول:” للتعليم مكان الصدارة في أولويات البناء بما هو التعليم ومعاهد التعليم ومدارسه الابتدائية والثانوية والجامعات ومحاضن الصغار أمكنة للتربية والتأثير، وبما هو النظام التعليمي والإعلامي شبكة محيطة بوقت الناشئة، مستولية على حياتها الفكرية والنفسية” 1 ، وقد تنبهت الأنظمة السياسية وأصحاب الإيديولوجيات المختلفة إلى أهمية التعليم في نشر الأفكار وغرس الولاء وتسيير الشعوب، فما فتئت تصوغ سياسات، وتضع مناهج وتكون مدرسين، وتسطر غايات وأهدافا وتسهر على تنفيذها وتحقيقها منفقة في ذلك أموالا طائلة لصناعة مواطنين صالحين كما تتصورهم، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “للتعليم هدفان أساسيان في أي ملة وقوم: أولهما المؤسس للآخر، هو غرس الولاء مبكرا في النفوس … الهدف الثاني المؤسس على الأول هو اكتساب الناشئة المهارات العقلية العملية المطلوبة اجتماعيا واقتصاديا… الهدف الأول (تربوي نفسي يكون أقوى تمكنا في نفوس المتعلمين كلما كان أكثر بكورا، وكلما كانت أساليبه أشد وقعا وأمتن تماسكا وأسبق إلى النفوس قبل أن تسكنها تربية أخرى وولاء آخر، والهدف الثاني تعليمي تدريبي عملي من شأنه أن يفي بالمقصود منه إن كان الباعث التربوي النفسي الولائي المؤسس في مكانه من الأصل والتمكن وقوة الدفاع، وإذا كانت برامجه وجدواه العملية وملاءمته للحالة الاقتصادية ملبية لحاجات المجتمع، منفتحة عليها.” 2
من هنا ينظر الأستاذ عبد السلام ياسين إلى التعليم بعينين ثاقبين بصيرتين جلتهما تجربة طويلة في العمل التعليمي تدريسا وتسييرا وخبرة، وتجربة! إيمانية روحية وإرادة جهادية تستشرف المستقبل، وتتطلع إلى ما عند الله من أجر، وإلى غد أفضل للأمة الإسلامية جمعاء: عين تنظر إلى واقع التعليم ببلادنا تشخيصا وتحليلا، وعين ترسم معالم مشروع متكامل لما ينتظر التعليم غداة ساعة الإسلام وصبح الخلافة الموعودة.

أولا: واقع التعليم ببلادنا

يرى الإمام ياسين رحمه الله بأن تعليمنا الحالي تعليم استعماري لاييكي طبقي فاشل:
1 – تعليمنا تعليم استعماري فاشل:
من حيث المناهج: يقول الأستاذ عبد السلام: “تدهورت مدارسنا تدهورا شنيعا.مناهج تعليمنا وضعها الاستعمار فهي لا تزال امتدادا له، بل أشد الاستعمار وأنكره فينا هو الاستعمار الثقافي” 3

من حيث الخبراء والمستشارون والموجهون: يقول: “رحلت بعد الاستقلال الصوري أعداد كانت جراثيم مجسدة على أرضنا وحلت محلها أعداد من الخبراء والأساتذة والعسكريين والمستشارين لحكام الجبر هم أنكى فينا، لاستيلائهم المبرمج على عقولنا وألسنتنا ومراكز التوجيه في أجهزتنا” 4

من حيث المسيرين من أبنائنا: يقول: “إدارتنا يسيرها من أبنائنا منهم النتاج الصرف للتربية الجاهلية.” 5

تعليمنا تعليم طبقي

من حيث المناهج والمستفيدين: يقول: “التعليم عندنا حكر على الأغنياء والمحظوظين لدى الأوساط المستعمرة، العاتية فينا بمدارسها، ومراكزها الثقافية ومكتسباتها وكتبها وجرائدها ومجلاتها ومنحها الدراسية وندواتها المميعة لأخلاقنا، الطامسة لديننا” 6

من حيث المردودية والتأهيل: يقول: “المحظوظون عند المستعمر الثقافي يعلمون أولادهم في مدارس هي المدارس، ويحصلون على شهادات هي الشهادات، وعلى تقنية تخولهم الاندماج في الطبقة الحاكمة” 7 تعليمنا مخدر ثقافي للمستضعفين ومحرض ومضلل: يقول: “أما فينا معشر المستضعفين، فأفيون الثقافة الجاهلية يفعل فعل المخدر الفكري على شكل نشاطات ومهرجانات، وفعل المحرض والمهيج على شكل إيديولوجيات، وفعل المضلل على شكل إعلام موجه عالميا ومحليا ليفتت فينا العزائم، ويثبط النوايا، ويزيغ الخطى” 8 تعليمنا يحتقر اللغة العربية ويهمشها: يقول:“لغتنا محقورة مزدراة إلا عند الخطب الرسمية تمويها على الشعب”) 9

ثانيا: رؤى الإصلاح

يرى الأستاذ عبد السلام ياسين أن تعليمنا ينبغي أن يكون تعليما قرآنيا مسجديا روحانيا، يصل الناشئة بالنبع الإيماني الصافي نبع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، ويلقحهم ضد الأوبئة الفتاكة، أوبئة الفكر الجاهلي والمسخ الثقافي، ويحرر الأمة من التخلف والتبعية، وأن يكون في كنف الأمة بعيدا عن هيمنة أي سلطة أو إيديولوجية.

تعليم قرآني

يقول: “ينبغي النظر لبرامج التعليم للسنوات التسع الأولى من حياة الأطفال لتندرج كلها في كنف القرآن وتستشهد به وتستند إليه”) 10 ويقول: “من محاضن الصبيان إلى مدارس الفتيان إلى جامعات الرجال يكون حفظ القرآن والعمل بالقرآن وتعليم القرآن والاحتفاظ بالقرآن صلب التربية والتعليم”) 11

تعليم مسجدي

يقصد به “أن يسود التعليم حرمة المسجد وروحانيته”لأنه “للمسجد حرمة وروحانية تتناسب ومجالس الوعظ ويصلح فيها الحلق العامة … لا أن تضم بناية المسجد ومرافقه المحدودة ما لا يحد من حاجات الأطفال واليافعين” 12
ويقول أيضا: “إن كان المسجد مركز إشعاع التعليم، والقرآن غذاء الصبي الأول، وزاده كل حياته، فستنبعث فينا أجيال مصونة إن شاء الله، لن تستفزها المحرضات ولن يغريها الكسب، بل تكتشف في سن مبكرة أن لا عيش إلا عيش الآخرة، وأن الجهاد في سبيل الله هو الخطة المثلى والهدف والمشروع الصالح للنفوس الكريمة، والقرآن الكريم تتشربه الشخصية الغضة الفطرية هو وحده يعطي النفوس كرامتها ويهديها فطرتها”) 13
التركيز على العلم الإلهي الحق: يقول: “العلم الذي لا علم أشرف منه هو علم الحق بالحق، هو العلم بالله عز وجل وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. هو العلم بما فرض الله وسن رسوله صلى الله عليه وسلم، والعلم المفروض طلبه فرضا بنص الحديث… فهذا هو العلم الواجب، لا يسع التائب الاستغناء عنه من مصادره بتواضع وحرص، ولا يسع الناشئ في حضن الإيمان أن يكتفي منه بالقطرات.” 14

أسلمة العلوم

يرى عبد السلام ياسين أن العلوم الكونية هي ” أسرار أودعها الخالق البارئ سبحانه في خبايا المادة وتلاحمها الفيزيائي وتفاعلها الكيماوي وقوانينها الرياضية في الذرة والأجرام السماوية، وفي الماء والهواء، وفي المعدن والأحياء، وفي النبات والحيوان”) 15 “وخلق سبحانه وقدر الأدمغة البشرية، رقد بعضها فلم يطور آلات علمية لينبش ويستخرج، وبحث بعضها فوجد”) 16 أما العلوم الإنسانية التي تجعل من الإنسان موضوعا لها، فهي ما تزال غير علمية رغم أنها ” تسحب… على مجال بحثها مقدمة الشك المبدئي الذي هو عماد العلوم التجريبية”ويتسلل الكفر إليها لأن “مسلمة أن لا إله إلا الطبيعة هي أساس هذه العلوم الدعية”) 17 يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين عن “الـمُسلمة الدوابية” في كثير من كتبه ومنها كتاب الإسلام والحداثة ويشرح بتفصيل كيف تمكن “علماء الإنسان” والفلاسفة من تصوير الإنسان على شكل دابة ودودة أرضية يعيش ليأكل ويشرب ويعقب اللذة الجسدية أينما وجدها بلا رادع ولا مقنن من دين أو خلق، لذلك ينبغي تحرير العلوم “بردها إلى مغزاها ومولدها وما تعنيه في النظام الكوني ووجود الإنسان وقابلية عقله لتلقيها… وتسخير نتائجها وقوتها وإمكانياتها لتزويد التكافل البشري والتراحم الإنساني بدل العلو في الأرض.” 18

تشجيع البحث العلمي

يدعو الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الاهتمام بالبحث العلمي وتشجيعه من أجل تأصيل العلوم وتوطينها وامتلاك الخبرة والتكنولوجيا، كما يدعو إلى تقدير الكفاءات والنوابغ والموهوبين. يقول: “تؤصل في معاهد البحث العلمي تقاليد الجدية والمسؤولية والنجاعة والجدوى العلمية. يبذل في ذلك المال. ولا يكفي المال إن لم يكن كسب العلوم وتوطينها قضية لجماعة المسلمين كلها، وفرضا كفائيا يجاهد عليه المؤمنون والمؤمنات احتسابا وطاعة لله الذي أمرنا بإعداد القوة، كما يجاهدون في إكمال دينهم، وكما يشاركون في حياة أمتهم العامة، جهادهم ذلك من جهادهم هذا.” 19

محو الأميات

وأهمها الأمية التاريخية والسياسية والفقهية، ويرى، وهو موضوع كتاب نظرات في الفقه والتاريخ، أن الأمة الإسلامية تعرضت لهزتين قويتين وانكسارين تاريخيين كبيرين، تسللت منهما إلى الأمة الإسلامية كل الأمراض من جهل وظلم وتخلف واستبداد وتفرقة واختلاف، والمطلوب هو فهم هذين الانكسارين وما نتج عنهما من فتنة وجاهلية، والترفع عنهما والنظر من أعالي التاريخ تاريخ رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة للنهل من النبع الصافي الذي تحدث عن تذبذب الحكم بين عض وجبر بعد الخلافة الراشدة وقبل الخلافة الموعودة على منهاج النبوة. الانكسار الأول نتج عن انتهاء الخلافة الراشدة وما تسرب منها من “فتنة” والثاني نتج عن سقوط الدولة العثمانية وتمكن الاستعمار من بلاد المسلمين وما تسرب منه إليها من ثقافة الجاهلية، يقول: “ذهبت الشورى مع ذهاب الخلافة الراشدة، ذهب العدل، ذهب الإحسان، جاء الاستبداد مع بني أمية ومع القرون استفحل واحتل الأرض واحتل العقول، واعتاد الناس أن يسمعوا عن “الخلافة” الأموية والعباسية… وعاشوا على سراب الأسماء دون فحص ناقد للمسميات. سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ملكا عاضا وجبريا، وسماها المؤرخون الرسميون خلافة، فانطلت الكذبة على الأجيال، وتسلينا ولا نزال بأمجاد هذه الخلافة، وقد كانت بالفعل شوكة الإسلام وحاميه من العدوان الخارجي، لكن في ظلها زحف العدوان الداخلي لما أسكتت الأصوات الناهية عن المنكر، واغتيل الرأي الحر، وسد باب الاجتهاد، في ظلها، وفي خفاء الصراعات تكونت المذاهب الدساسة، وتمزقت الأمة سنة وشيعة، وتشتت العلم مزعا متخصصة عاجزا فيها أصحاب التخصص عن النظرة الشاملة، لا يجسر أحد على بسط منهاج السنة والقرآن مخافة السلطان” 20 .

الاهتمام باللغة العربية

باعتبارها شرفها الله تعالى برسالته الخاتمة الى الناس جميعا، واعتبارها لغتنا الأم، وباعتبارها غير عاجزة عن حمل جميع العلوم والمعارف يقول الأستاذ عبد السلام :” أول ما يتعين على تعليم يطمح إلى وصل الناشئة المؤمنة بالنبع، وهو تعليم اللغة العربية بحيث يكون للمؤمن ما يشبه و يقرب ويحادي سليقة العرب الذين بلسانهم نزل الوحي.” 21 ويقول: ” إن تعليم اللغة العربية… لمما يتحتم أن نجعله في صدر الأولويات، توحد اللغة القدرة على الاستقاء من النبع الواحد كما توحد التفاهم والتقارب وتبادل المصالح، وكل ذلك شرط وفرض وضرورة تاريخية لتوحيد المسلمين.” 22

تعميم التعليم

يقول: “يلح على المسلمين واجب عجزت عن الوفاء به الأنظمة الموروثة كما عجزت عنه الطبقة اللايكية العصرية، الا وهو تعميم التعليم والقضاء على الأمية. لا أمل لعزة في هذا العصر لأمة لا تقرأ ولا تكتب ولا تشارك شعوبها عن معرفة بما يجري في العالم وما تفرضه ضرورات الصراع في العالم.”) 23

الإنفاق على التعليم (تعليم في كنف الأمة)

يرى الأستاذ عبد السلام ياسين بأنه “ليس من شأن الحكومة الإسلامية وحدها أن تعلم وتعمم وتستصفى وتعبئ الكفاءات”) بل “ربما يكون أنجح للمهمة أن تدخل في الرعاية الصالحة لكافة المومنين والمومنات.” 24 ثم يقول: “لم يكن التعليم قضية دولة، بل كان البذل والتطوع والمسارعة إلى الخيرات هي البواعث وهي الفواعل” 25 .ليرى بأن تحرير التعليم من هيمنة الدولة وجعله في كنف الأمة إنفاقا ورعاية سبب في نجاحه، ويضرب لذلك أمثلة من بعض الجامعات البريطانية والأمريكية الحرة الأكثر نجاحا في العالم فيقول: “فإن استفهمنا التاريخ عن سر تقدم الغرب في العلوم وجدناه من بين ما نجد من أسباب، استقلال التعليم عن الدولة، واحتضان مؤسسات خاصة للمعاهد التي صبغت النبوغ والتفوق.” 26

الاهتمام بالمُعلم وإعادة النظر في علاقته بالمتعلم

لا يمكن إنجاح العملية التعليمية إلا إذا تم الاهتمام بالمعلم باعتباره “واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية” ف “ان لم تكن هذه الواسطة على القدر الكبير من الكفاءة وعلو الباعث والكرامة والرخاء في المجتمع فالعملية كلها تتفسخ.” 27 ثم يطرح مواصفات المعلم المرشح للقيام بمهمة التربية والتعليم، الذي هو“منسجم في نفسه، مرتاح في سربه الاجتماعي، سوي في بنيته النفسية الخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد في ما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة.” 28

خاتمة

هكذا نرى أن الإمام قد تناول قضية هي أم القضايا وأولاها في نهضة الأمة وتقدمها ــــــ قضية التربية والتعليم ـــــ بالتشخيص والتحليل والدراية والخبرة، واقترح مشروعا متكاملا من حيث الشكل والمضمون، إن وجد الارادة السياسية والمجتمعية، وإن تظافرت وتكاملت جهود كل الأطراف الفاعلة في القضية (حكومة، أسرة، إعلام، احزاب، نقابات، جمعيات، مثقفين، إداريين، مدرسين، تلاميذ) وقام كل بالدور المنوط به، سيكون للأمة أفضل المستقبل في النهوض والتغيير والبناء، ونيل سعادة الدنيا والآخرة.


[1] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. ص: 121.
[2] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. ص: 153.
[3] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 224.
[4] المرجع نفسه ص 224
[5] المرجع نفسه ص 224.
[6] المرجع نفسه ص 224.
[7] المرجع نفسه ص 225.
[8] المرجع نفسه ص 225.
[9] المرجع نفسه ص 224.
[10] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 155.
[11] المنهاج النبوي ص 226.
[12] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 151.
[13] المنهاج النبوي ص 226
[14] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 142.
[15] المرجع نفسه ص 144.
[16] المرجع نفسه ص 144.
[17] المرجع نفسه ص 146.
[18] المرجع نفسه ص 146.
[19] المرجع نفسه ص 137.
[20] المرجع نفسه ص 137.
[21] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 130.
[22] نفس المرجع ص 130.
[23] نفس المرجع ص 135.
[24] المرجع نفسه ص 138.
[25] المرجع نفسه ص 140.
[26] المرجع نفسه ص 139.
[27] المرجع نفسه ص 169.
[28] المرجع ىفسه ص 173.

أضف تعليقك