مطالب الشريعة

مطالب الشريعة

نقضت وحدة الأمة بانتقاض الحكم. وضعف الإسلام التاريخي بنية منذ انفكت تلك العروة. وكل ما نشأ من حروب داخلية بين المسلمين، ومن فتن مذهبية، ومن مروق وزندقة، ومن انحراف في العقيدة وثورة وعنف فإنما مرده بعد تعميق النظر إلى ذلك الانفصام الأول.

أكتب هذا والحرب الضروس المجنونة بين إيران الثائرة باسم الإسلام والعراق الفائزة باسم القومية توشك أن تنهي عامها السابع. مظهر آخر من مظاهر «الانفصام النكد» التاريخي وشرارة من ناره. وإن ما نعيشه ونشاهده في هذه النكبة المؤلمة مضافا إلى ما عشناه من نكبات احتلال القدس وخذلان حكام الجبر للأمة بما منعوها من توحيد جهودها لتجاهد عدوها، وبما بددوا من أرزاق، وبما والوا الكفار وضحوا بالمقدسات ليحتفظوا بالسلطان مهما تمزقت الأمة وافترقت وأهينت، كل ذلك يلح على ضميرنا لنعيد النظر فيما رتبه علماؤنا من قبلنا في حديثهم عن مقاصد الشريعة.

كان المقصد الأسمى من بعثة الخلاق العظيم سبحانه رسله إلى خلقه جليا مجتمعا كاملا متكاملا في فهم الصحابة على عهد النبوة والخلافة على منهاج النبوة التي لم تدم أكثر من ثلاثين سنة بعد انتقال المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. كان ذلك المقصد الجليل جليا في العقول والقلوب والنيات والعمل الجهادي بجلاء القرآن ونصاعة بيانه وحيويته الدافقة. هذا المقصد هو أن يكون الدين كله لله، وأن لا تكون فتنة في الأرض، وأن يدخل الخلق جميعا في طاعة الله ليحققوا الغاية التي من أجلها وجد العالم. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ 1 أمة واحدة تحمل رسالة للعالمين تبلغها وتجاهد عليها وتتوحد عليها وتحكم بمقتضاها وحدة المقصد الأول وحدت من قبائل العرب جندا محض ولاءه لله رب العالمين ونبذ كل الولاآت. وحدت منهم الصف والوجهة والجهد. وحدت منهم الحس والمعنى وكان رمز هذا التوحيد وضامن هذه الوحدة الاعتصام بالعروة الوثقى كتاب الله الذي يجمع لا يفرق، والبيعة الاختيارية غير الإكراهية الموثقة للعهود عقدت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم مع خلفائه الراشدين.

على مستوى الفهم عن الله، ومن موقع الإقرار بإرادته الكونية لا مرد لقضائه وهو الرب القهار نقول : أعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم قبل رحيله أن تلك الخلافة لن تدوم أكثر من ثلاثة عقود، وأن عروة الحكم من عرى الإسلام ستكون أول ما ينقض من عراه، وأن هلاك الأمة سيكون على يد أغيلمة هم شر الملوك. سبق ما سبق في علم الله.

وعلى مستوى المسؤولية والتكليف الشرعي نقول : ضيع المسلمون وحدة الشورى والعدل والإحسان، وتمسكوا بعدها بوحدة قسرية تحت ظل السيف، رضخوا لحامل السيف تطبيقا للوصايا النبوية المشفقة أو قاموا ضد الحاكم، كل حسب تقديره لأحقية الحاكم أن يطاع.

وعلى مستوى النظر المترامي إلى الإرادة الآلهية الكونية وإرادته الآمرة التي ورد بها الشرع الشريف نقول: إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بقيادة علمائها وصالحيها وأهل الخير في كل زمان جاهدت وقاومت وحافظت على وجودها بتوفيق من الله عز وجل رغم البلاء المتعاقب. رغم البلاء بفساد الحكام وخروج الخوارج وزندقة الفلاسفة وغزو القرامطة والتتار والاستعمار. فهذه الأمة المجاهدة المرحومة المبتلاة لا يزال لها وجود وإن كان مشتتا، وهي موعودة بالنصر إبان الخلافة الثانية، عليها أن تهب وتقوم وتجاهد لتلتقي بالوعد الصادق، وأن تنهض بالعزيمة الكبيرة ليسلك قصدها ومشروعها المستقبلي مسالك الشرع المعبرة عن الأمر الديني راجية من المولى الكريم أن يتطابق القصد ومقاصد الشرع مع مقصد الحق سبحانه في إرادته المطلقة.

لما انفرمت وحدة المسلمين الأولى تحت الملك العاض والجبري لم يتحدث فقهاء ذلك الزمان عن ضرورة إعادة الحكم الشوري لأن وحدة الشوكة والسلطان بقيت قائمة على رقعة دار الإسلام، حقيقية في القرون الأولى، رمزية بعد استقلال كثير من الأمصار، آخر عهدنا بوحدة الشوكة عهد آل عثمان رحمهم الله.

لم يذكر علماؤنا السابقون أثناء حديثهم عن مقاصد الشريعة هذا المقصد الجامع. أما في زماننا، وقد نشبت فينا مخالب الجاهلية والأنياب، فنشعر بضرورة استعادة الوحدة شعورا عميقا. إنها مسألة حياة أو موت. إنها أم المقاصد وشرط تحقيقها.

كان عند سلفنا رحمهم الله شيء يذكر على رقعة العالم، له حرمته وهيبته: كان لهم استقلال ودولة، فكانوا يحرصون على هذا الشيء، لا يعيبونه في ظاهر سلوكهم وإن كان في قرارة النفس ما فيها. كانوا يريدون الحفاظ على ذلك الشيء لأنه كان حياتهم وسقفهم وبيتهم وسلاحهم. وفي ظله كانوا يحضنون ما تبقى متماسكا من عرى الإسلام. لذلك نقرأ عندهم في معرض الحديث عن المقاصد الشرعية صيغة محافظة. نقرأ أن مقاصد الشريعة حفظ كذا، وحفظ كذا، وحفظ كذا.

أما نحن فدويلات الجبر التي تبيعنا جملة وتفصيلا للجاهلية لا تعتبرها الأمة بيتها ولا سقفها ولا سلاحها ولا تستمر في العيش المهين تحت وطأتها إلا مكرهة كارهة مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم.

لذلك فجدير بنا أن نعبر عن مقاصد الشريعة في صيغ مطلبية لا حفاظية، فنقول: مطالب الشريعة هي كذا وكذا. وجدير بنا ونحن نخطط لإنزال أحكام الشرع منازل الشرف والعزة وننظر إلى الأمر الإلهي من زاوية الطلب لا من زاوية الحفظ، أن نذكر الوسائل التربوية والعلمية والمادية الجهادية القادرة على تحقيق مطالب الشرع. وأن نبحث عن الكيان الجماعي المكلف بالنهوض إلى هذه المطالب، وعن طريقه وأولويات ما يطلب، وعن العراقل في وجهه، وعن العالميات الجاهلية التي تتحدى عالمية الإسلام وتنازعه في بقائه، وعن مراحل الطلب وثقل الحمولة وسرعة الزمان.

كان علماؤنا الأفاضل رحمهم الله وأجزل مثوبتهم يتدارسون مقاصد الشريعة في شتاتها وفرديتها. تجد من أبواب كتب الحديث وكتب الفقه بابا للإمارة والجهاد مصطفا مع الأبواب الأخرى، لا يحتل المكانة اللائقة بالعروة الماسكة لكل العرى. كأن علماءنا

في كفاحهم الدائم ضد إرادة الحاكم بأمره انتهوا إلى تطليق هذه القضية العويصة قضية الحكم ليتفرغوا معرضين عنها إلى مهمتهم الحفاظية.

انقبضوا عن قضية الحكم فانقبضت عنهم الرؤية إلى كليات الدين من الزاوية العليا. ونحن نأمل أن يبسط الله لنا مجالا واسعا بأن يرفعنا إلى المنطلق الأول إزاء القرآن الحاكم ننظر من أعلى لنتبين أهمية الوحدة التي لا تمكن الا بالحكم الشوري الضامن وحد أن يسود العدل والإحسان.

لم يكن لعلمائنا قبل الإمام الغزالي عناية بإحصاء مقاصد الشريعة وتصنيفها تصنيفا شكليا لسلامة الفطرة ولأن الكل كانوا أهل قرآن. وإنما نجد التصنيف والرصف في هذا العلم ومن علوم الأصول عند الإمام الشاطبي في القرن الثامن وقد أخذ شكله النهائي الذي يجتره المقلدة اليوم دون أن يطرحوا على التصنيف ولا على الصيغة سؤالا واحدا.

نريد هنا إن شاء الله تعالى أن نقول كلمة أو كلمتين، نتهيب هذا العالم الجليل من أصحاب الاختصاص العالي والتقوى وطول الباع. لكن ألمنا وما نحمل من هم لا يترك مجالا للحشمة. ولعل عدم تخصصنا يحررنا من التبعية السكونية المستكينة رضى بما فعله الأجداد.

نجد عند عالمنا الأصولي ما ينبئ عن تحفظ وسكوت لا يعلم إلا الله ما وراءهما من معاناة رجل عاش تحت ملوك الطوائف. عاش في عهد وفي قطر بلغ فيه التمزق وتهتك الحكام ما لم يتجاوزه إلا حكام عهدنا وأقطارنا هذه البئيسة. يكتب رحمه الله في نهاية كتابه «الموافقات» ما يلي: «على أنه بقيت أشياء لم يسع إيرادها، إذ لم يسهل على كثير من السالكين مرادها، وقل على كثرة التعطش ورادها. فخشيت أن لا يردوا مواردها، وأن لا ينظموا في سلك التحقيق شواردها. فثنيت من جماح بيانها العنان، وأرحت من رسمها القلم والبنان. على أن في أثناء الكتاب رموزا مشيرة، وأشعة توضح من شمسها المنيرة».

مسائل ثنى عن بيانها عنان قلمه رغم جموح هذا القلم وميله الشديد لكتابتها. ترى، أهي من جزئيات العلم ونوادره، أم هي من كليات الدين وأصوله رأى متفقهة عصره معرضين عنها منحسرين عن ميدانها؟ ترى، أية غصة كانت في حلق هذا المجتهد الفذ الذي يعد مفخرة من مفاخر القرون الأخيرة، بل واحدا من أكبر علمائنا الجامعين بين المنقول والمعقول، المتضلعين ريا ونورا من معين السنة، العالين مطمحا.

أي شيء هي المسائل التي سكت عنها وتحفظ من ذكرها لأنه لا «يسهل على كثير من السالكين مرادها»؟

إنه اعتذار يقدمه رحمه الله في آخر كتابه لمن هم على شاكلته من قرائه يحملون من الهم مثلما يحمل، ويشكون من سقوط الهمم و«قلة الوراد» على ما بالأمة من تعطش إلى الحق. حال دون الأمة والحق المنشود المطرود جمود المقلدة ومعارضة المتفقهة المشتتين في الفروع العاجزين عن قبول فقه أصولي يرتفع إلى الأدلة من الكتاب والسنة، ويعلل الأحكام، ويجمع النظائر، ويستخرج القواعد ليبرهن على أن للدين مقاصد كلية، ومنطقا متساوقا.

مثل هذا الفكر لا تستسيغه الأدمغة الراكدة، ولا يستقبله السكون المخيم المسالم للأمر الواقع. لا ينازع ذلك الفكر ولا يسأل ولا يعلل ولا يحب شيئا من المنازعة والسؤال عن الأسباب والمسببات.

يقول عالمنا في مقدمة كتابه، يشكو يكاد يفصح بلواعج بلواه : «أما بعد أيها الباحث عن حقائق أعلى العلوم، الطالب لأسنى نتائج الحلوم، المتعطش إلى أحلى موارد الفهوم، الحائم حول حمى الظاهر المرسوم، طمعا في إدراك باطنه المرقوم معاني مرتوقة في فتق تلك الرسوم. فإنه قد آن لك أن تصغي إلى من وافق هواك هواه، وأن تطارح الشَّجي (الشجى ما يعترض في الحلق من عظمة وشوكة عبارة عن الهم) من ملكه مثلك شجاه، وتعود إذ شاركته في جواه (أي شوقه) محل نجواه، حتى يبث إليك شكواه، لتجري معه في هذا الطريق من حيث جرى، وتسري في غبشه الممتزج ضوؤه بالظلمة كما سرى».

هذا رجل أراد أن ينظر من أعلى، فهو يطلب «حقائق أعلى العلوم»، فوجد أن من يفهمه ويجاريه قليل، ووجد أن همه الذي يكابده وشوقه الذي يحمله لا يشاركه فيه الجامدون من أهل عصره. فهو في مثل الغبش يسرى وحده. على طريق مثل الصحراء القاحلة. إنها صحراء التقليد وجفاف العقول وموت الإرادات.

قال رحمه الله يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب: «فلقد قطع في طلب هذا المقصود مهامه (أي صحاري) فيحا (أي واسعة )، وكابد من طوارق طريقه حسنا وقبيحا، ولاقى من وجوهه المعترضة جهما (وجه متجهم: غاضب مكفهر) وصبيحا، وعانى من راكبته المختلفة مانعا ومبيحا، فإن شئت ألفيته لتعب السير طليحا، أو لما حالف من العناء طريحا، أو لمحاربة العوارض الصادة جريحا. وجملة الأمر في التحقيق، أن أدهى ما يلقاه السالك للطريق، فقد الدليل، مع ذهن لفقد نور الفرقان كليل، وقلب بصدمات الأضغاث (يقصد مجموعات المصائب). عليل، فيمشي على غير سبيل، وينتمي إلى غير قبيل».

إذا كان يشق على العالم المجتهد ما يجده من معارضة الجامدين، فإن جراح المعارضة والمصارعة في ميادين الجدال لا تبلغ بالرجل الصالح العاقل أن يتمنى الموت يريحه من عنائه إذ لم يصف له العيش الهنيء. مثل عالمنا لا تستفزه المخالفات والمجادلات الفقهية إلى هذا الحد. لكنه يتألم لضياع العلم بجمود المتفقهة، ولضياع مقاصد الشريعة لطغيان الجمود، ولطغيان الحكام الناتج عن انصراف المنتسبين للعلم القابعين في جزئيات مسائلهم إلى التوافه يعالجون خلافياتها من تحت.

جاء عالمنا يوقظ النائمين فلم يجد مستجيبا، ومضى يسري في مهامه عزلته الفيحاء، ينطق تارة ويسكت ويتحفظ ويرمز ويشتكي، فماذا نجد في زماننا من عماد نعتمده في علم هذا الرجل وأمثاله. أنردد تلك العبارات ونشرح تلك الإشارات عاكفين عليها وهي تنتمي إلى عصر ومصر استسلم فيه المسلمون لملوك العض لا من يحرك من سواكنهم؟ إذن لكنا أشد غباء وأبلد بلادة من معاصري الشيخ الإمام الذين قعدوا يتفرجون على الأندلس تتسرب من أيدي الأمة لا يحسون جوى ولا يشتكون شجىً. نكون إن رددنا اجتهادات من سبقونا بالإيمان غفر الله لنا ولهم بدون أن نحدد لأنفسنا مطالب أو نرسم لأنفسنا خططا أحط من الانحطاط.

في ذلك العصر والمصر، على ما كان ينزل من أضغاث المصائب، لم يكن حاكم ليجرأ على منهاضة الدين في توجهاته الكلية. كان للإسلام معنى وحرمة ووزن في صفوف الأمة حتى عند أهل الجمود. أما في عصرنا وأمصارنا فالدين يقتلع من جذوره، والغزو الشامل سياسيا واقتصاديا وثقافيا وإعلاميا يهدد الدين بالعدم، فما فائدة جلوسنا إلى شيخ حي بالإيمان والعلم والغيرة على الدين، سام بتطلعه إلى الأعالي وبتحمله هما سئم الحياة عندما افتقد من يشاطره همه، إن لم نستفذ من مجالستنا إياه قبسة من نور المعرفة بالله وبدينه ومقاصد شريعته، لا نكتفى بالجذوة التي انقدحت لديه نحفظها ونخزنها ونزمر حولها، بل ننفخ في جذوتها من نفس غيرتنا وحرقتنا وعنائنا لتتأجج على أعداء الدين نار المقاطعة، ولتسرج في جوانحنا أنوار المواصلة بكتاب الله وسنة رسوله، نرتفع إليهما بنياتنا ومطالبنا واجتهادنا كما ارتفع إليها هو بنيته واجتهاده رحمه الله؟

نظرات في الفقه والتاريخ ص-53


[1] سورة الذاريات، 56

Related Articles

أضف تعليقك