ضمان الله لمن خرج في سبيل الله تعالى

ضمان الله لمن خرج في سبيل الله تعالى

عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:“انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ” . رواه البخاري رحمه الله تعالى وهذا لفظه، وروى نحوه أحمد والنسائي والبيهقي رحمهم الله تعالى.
قال الإمامُ ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري: قوله: (انتدب الله) أي: سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل بمعنى: أجاب إلى المراد، ففي الصحاح ندبت فلانا لكذا فانتدب أي: أجاب إليه، وقيل معناه: تكفل بالمطلوب.
وقَالَ الإمَامُ النووي رحمه الله تعالى: وقوله: (لا يخرجه إلا إيمان بي) كذا هو بالرفع على أنه فاعل يخرج، والاستثناء مفرغ.
وفي رواية مسلم والإسماعيلي رحمهما الله تعالى: “إلا إيمانا” بالنصب، قال النووي رحمه الله تعالى: هو مفعول له، وتقديره: لا يخرجه المخرج إلا الإيمان والتصديق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لا يُخْرِجُهُ إلا جِهَاداً فِي سَبِيلي، وَإِيمَاناً بِي، وَتَصْدِيقاً بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَي ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّة، أَوْ أُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلاً مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالذِي نَفْسُ مُحَمدٍ بِيَدِهِ لَوْلا أَنْ يَشُق عَلَى الْمُسْلِمِينَ، مَا قَعَدْتُ خِلاَفَ سَرِيةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَداً، وَلَكِنْ لا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَني، وَالذي نَفْسُ مُحَمدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَني أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُم أَغْزُو فَأُقْتَلُ” . رواه مسلم رحمه الله تعالى.
قال الإمَامُ النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: قوله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم: “تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاداً” إلى قوله: “أن أدخله الجنة” وفي الرواية الأخرى: “تكفَّل الله”، ومعناهما أوجب الله تعالى له الجَنَّة بفضله وكرمه سبحانه وتعالى، وهذا الضمان والكفالة موافق لقوله تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة:111].
قوله: (لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسلي) معناه لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى.
قوله في الرواية الأخرى: (وتصديق كلمته) أي كلمة الشهادتين، وقيل: تصديق كلام الله في الأخبار بما للمجاهد من عظيم ثوابه.
قوله تعالى: (فهو علي ضامن) ذكروا في ضامن هنا وجهين؛ أحدهما أنه بمعنى مضمون كماء دافق ومدفوق، والثاني أنه بمعنى ذو ضمان.
قوله تعالى: (أن أدخله الجنة) قال القاضي رحمه الله تعالى: يُحتَمَل أن يدخل عند موته كما قال تعالى في الشهداء: أحياء عند ربهم يرزقون . [آل عمران:169]. وفي الحديث: “أرواح الشهداء في الجنة”، ويُحتَمَل أن يكون المراد دخوله الجَنَّة عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفرة لذنوبه كما صرح به في الحديث الصحيح.
قوله: (أو أرجعه إلى مسكنه نائلاً مَا نال من أجر أو غنيمة) قالوا معناه مَا حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنم، أو من الأجر والغنيمة معاً إن غنموا، وقيل: إن أو هنا بمعنى الواو أي من أجر وغنيمة.
وقال الإمَامُ النووي رحمه الله تعالى: ومعنى الحديث أن الله تعالى ضمن أن الخارج للجهاد ينال خيراً بكل حال، فإما أن يُستَشهَد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما أن يرجع بأجر وغنيمة).
قوله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم: (والذي نفس محمد بيده مَا من كَلْم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم لونه لون دم وريحه مسك) أما الكَلْم بفتح الكاف وإسكان اللام فهو الجرح، ويكلم بإسكان الكاف أي يجرح، وفيه دليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغُسلٍ ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعة الله تعالى.
قوله: (والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين مَا قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله) أي خلفها وبعدها، وفيه مَا كان عليه صَلَّى الله عليه وَسَلَّم من الشفقة على المسلمين والرأفة بهم، وأنه كان يترك بعض مَا يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها، وفيه مراعاة الرفق بالمسلمين والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم.
قوله: (لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل) فيه فضيلة الغزو والشهادة، وفيه تمني الشهادة والخير، وتمني مَا لا يمكن في العادة من الخيرات، وفيه أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَا جَابِرُ، ألا أُبَشِّرُكَ بما لَقِي الله بهِ أبَاك! مَا كَلَّمَ الله أحداً قط إلا من وراءِ حِجابٍ، وكلَّم أبَاكَ كِفَاحاً، فقال: يا عَبْدِي، تَمَنَّ عليَّ أُعطِكَ. قال: يا رَب، تُحْيِيني فأُقْتَلُ فِيكَ ثانيةً، فقال الربُ تبارك وتعالى: إنه سَبَقَ مِني أَنهم إِليها لا يَرْجِعون، قال: يا رَب، فأبْلِغْ مَنْ وَرَائِي” . رواه الترمذي وابن ماجه رحمهما الله تعالى، وقال الألباني رحمه الله تعالى: صحيح.
قَالَ الإمَامُ ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية: “قَالَ جابر بن عبد الله رضي الله عنه: نظر إليَّ رسول الله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم، فقال: مالي أراك مهتما؟ قال: قلت: يا رسول الله، قُتِلَ أبي وترك دينا وعيالا، فقال: “ألا أخبرك ؟ مَا كلَّم الله أحدا إلا من وراء حجاب، إنَه كلَّم أباك كفاحا وقَالَ له: يا عبدي، سلني أُعطك، فقال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال: إنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب، فأبلغ من ورائي، فأنزل الله “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون .
وقال الإمَامُ القرطبي رحمه الله تعالى في الجامع لأحكام القرآن: لقد أخبر الله تعالى عن الشهداء أنهم أحياء في الجَنَّة يرزقون، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب، وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين، وفضلوا بالرزق في الجَنَّة من وقت القتل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم.)
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فالذي عليه المعظم هو أن حياة الشهداء محققة، ثم منهم من يقول: تُرَد إليهم الأرواح في قبورهم فينعمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيعذبون، وقَالَ مجاهد رحمه الله تعالى: يرزقون من ثمر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها، وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة).
وقَالَ الإمَامُ القرطبي: وأما من تأوَّل في الشهداء أنهم أحياء بمعنى أنهم سيُحيَون فبعيدٌ، يردُه القرآن والسنة؛ فإِنَّ قوله تعالى: “بل أحياء” دليل على حياتهم، وأنهم يرزقون ولا يرزق إلا حي)، وقد قيل: إنه يُكتَب لهم في كل سنة ثواب غزوة؛ ويشركون في ثواب كل جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأنهم سَنوا أمرَ الجهاد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُم بِأُحُدٍ جَعَلَ الله أرْوَاحَهُمْ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهَارَ الْجَنةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلقَةٍ في ظِل الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِم وَمَقِيلِهِم قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إخْوَانَنَا عَنا أنَّا أحْيَاء في الجَنَّة نُرْزَقُ، لِئَلا يَزْهَدُوا في الْجِهَادِ وَلا يَنْكُلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ؟ فقال الله تَعَالى: أنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُم، قال: وأنزل الله عز وجل:”وَلا تَحْسبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أمْوَاتاً ” إلى آخِرِ الآية” .‏ رواه أحمد وأبو داود والحاكم رحمهم الله، وقال الألباني رحمه الله: صحيح.
قال الإمام الآبادي رحمه الله في عون المعبود: (لما أصيب إخوانكم) أي من سعادة الشهادة، (في جوف طير خضر) أي في أجواف طيور خضر، (ترد) من الورود، (وتأوي) أي ترجع، (إلى قناديل من ذهب معلقة) أي بمنزلة أوكار الطيور، (فلما وجدوا) أي الشهداء، (طيب مأكلهم ومشربهم ومَقِيلهم) بفتحٍ فكسر أي مأواهم ومستقرهم، والثلاثة مصادر ميمية ولا يبعُد أن يُرَاد بها المكان والزمان، وأصل المقيل المكان الذي يُؤوَى إليه للاستراحة وقت الظهيرة والنوم فيه، (قالوا) جواب لما، (مَن يُبَلِّغ) من التبليغ أو الإبلاغ ضبط بالوجهين أي من يوصل، (إخواننا) أي الذين في الدنيا من المسلمين، (عنا) أي عن قبلنا، (لئلا يزهدوا) أي إخواننا، بل ليرغبوا، (ولا ينكُلوا) بالنون وضم الكاف أي لا يجبنوا.
وقال الإمام المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: قال ابن القيم: وذا صريحٌ في دخول الأرواح الجَنَّة قبل القيامة، وبه يُمنَع قول المعتزلة وغيرهم إن الجَنَّة والنار غير مخلوقتين الآن).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثَةُ يُحِبهم اللهُ ويَضْحَكُ إليهْم ويسْتَبْشِرُ بِهِم؛ الذي إذا انكَشَفَتْ فِئة قاتَلَ وراءهَا بنفْسِهِ للهِ، فإمَّا أن يُقتَلَ، وإمَا أن ينَصُرهُ الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صَبَرَ لي بنفسهِ! والذي له امرأةٌ حَسَنَةُ وفِرَاش لَيِّن حَسَن، فيقومُ من الليلِ، فيقولُ: يَذَرُ شَهوتَهَ فيذكُرُني، ولو شاء رَقَدَ، والذِي إذا كانَ في سَفَرٍ وكان مَعَه رَكْب فسهروا ثم هَجَعُوا، فقام من السَحَرِ في سَرَّاءٍ وَضَرَّاء” . رواه الطبراني والحاكم رحمهما الله تعالى، وقَالَ المنذري رحمه الله: حسن.
قال الإمام القرطبي رحمه الله في الجامع لأحكام القرآن: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: “ثلاثة يضحك الله إليهم ويستبشر الله بهم؛ رجل قام من الليل وترك فراشه ودفئه، ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة؛ فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي على مَا صنع؟ فيقولون: ربنا أنت أعلم به منا، فيقول: أنا أعلم به ولكن أخبروني، فيقولون: رجيته شيئا فرجاه، وخَوفته فخافه، فيقول: أشهدكم أني قد أمنته مما خاف وأوجبت له مَا رجاه. قال: ورجلٌ كان في سرية فلقي العدو فانهزم أصحابه وثبت هو حتى يقتل أو يفتح الله عليهم، فيقول الله لملائكته مثل هذه القصة. ورجل سرى في ليلة حتى إذا كان في آخر الليل نزل هو وأصحابه، فنام أصحابه وقام هو يصلي، فيقول الله لملائكته وذكر القصة”.

أضف تعليقك