“دولة القرآن” عند الأستاذ عبد السلام ياسين دولة “حقوق الإنسان”

“دولة القرآن” عند الأستاذ عبد السلام ياسين دولة “حقوق الإنسان”

1-المفاهيم: 

إن التأصيل المفهومي جزء من رؤية الإنسان ومن فاعليته في الواقع، يحدد آليات اشتغاله ويمكنه من بلورة مشروعه التغييري وتوفير شروطه الذاتية والموضوعية. إذ “المفاهيم” تمنح قوة للفكر، وتوسع من الدوائر والأدوار وتصب في إيقاع ثقافة الأمة عامة، نظرا لمرجعيتها.
ومفاهيم الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله، تصدم البعض، إما لعائق معرفي أو إيديولوجي أو نفسي، و”الصدمة المفهومية” طبيعية حين يغيب الحوار والاجتهاد، ويسود التصامم والجاهز المألوف والجدارات.
إن الحس المفهومي كآلية للتعبير والتغيير الفردي يدفع إلى الاجتهاد داخل المنظومة العامة للتصور المنطلق منه، وتصبح الذات متناغمة ومنسجمة مع “المفاهيم الإلاهية” الشرعية التي تحرك الكون، خاصة عندما تكون مبنية على مصدر القرآن والسنة.
وبما أن المفهوم نتيجة لسلوك وتصور ومنهج، فإن غياب عناصره تجعله مفهوما فاقدا للحرارة والحركة والأثر، وقد يكون مآله صادما محدثا لعاهة نفسية للآخر.
إن وحدة المجتمع وانسجامه تتجلى في علاقاته بالمفاهيم التي يتداولها، مفاهيم تكون ثقافته الخاصة، فتمكنه من وحدة التصور ووحدة الحركة، فيتم التوجه نحو الهدف والمواقف الفكرية البانية والمؤسسة باتجاه سليم ومتراكم. ويكفي فيه أنه مساعد على الحوار، لأن المنطلق المفهومي واحد.
وتجاوزا “للصدمة المفهومية”، نحتاج إلى استئناس بفكر الأستاذ رحمه الله لإحداث ألفة وتأقلم، لعل في ذلك ما يكسر الجدارات الوهمية.

2-الوحدة الوَلائية:

كان التوحيد أساسا في مفاهيمية الشيخ رحمه الله، فهو العقيدة التي يمكن أن توحد وجدان الخلق أجمعين، فكل الأمم مرجعها إليه سبحانه، تعرف ذلك بالفطرة كميراث متسلسل من آدم عليه السلام، فأمة النبيئين والمؤمنين أمة واحدة، لكن الناس في فترة جفاف القلوب وضياع بوصلة الإيمان يفترقون مذاهب ويتقطعون أمرهم بينهم، والقراءة التاريخية تبحث في عالم الأسباب ولا تنفتح على سننه تعالى وآياته الكونية.
وحين يميز رحمه الله، بين إرادة الله الكونية وأمره التكويني، (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة. ولكن ليبلوكم فيما آتاكم)، فأمره التكويني أن يكون الناس أمة واحدة، وقدره الكوني أن لا يكونوا أمة واحدة، وأن يختلفوا بما كسبت أيديهم (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك. ولذلك خلقهم)، فالمشيئة القدرية أن يكون من الناس مؤمنون مطيعون، وأن يكون مخالفون متقطعون أخطأوا رحمة الوحدة والتوحيد. والتكليف واحد، والعباد منهم مسلم وكافر، مطيع وعاص، وتلك حكمته تعالى فيما خلق.
وهذا يعني أن الوحدة حسب الأستاذ ياسين رحمه الله، تعتبر أمرا ليس بالهين، والعواطف المتأسفة لا تفيد، ولا الاندفاع بوخز الضمير ينفع، والداعي الشرعي بتحقيق الوحدة لا يجب أن يكون متسرعا يبني بناء وهميا يتصدع عند أول صدمة. لأن أول الوحدة انتماء وَلائي لتنظيم اجتهادي، هدفه وحدة جماعة المسلمين لا وحدة التنظيم، وضوابطه الوَلاية مكونة من المعنى القلبي (الحب والبغض في الله)، والمعنى العقلي المرتبط بالشورى والاتفاق في العام من الأمور، والمعنى العملي التنفيذي حيث الالتزام والانضباط للقرارات.
على أن الحد الأدنى للوَلاية، تنسيق بين حكماء الأمة وعلمائها وبين التنظيمات الطليعية، تنسيق وجب أن يتحقق في قضية تهذيب النفوس، ورفع الهمم وصقل القلوب (حب أولياء الله وتآلفهم)، وقضية تحرير العقل وتصويب الفهم (التفاهم على كلمة سواء، وتجاوز العوائق المذهبية)، وفي تكسير الحواجز النفسية التي تحجب عنا عظمة الإسلام وضرورة التوحيد. إنه التنسيق الساعي إلى البحث في الوحدة بين الفجوات والفرص والظروف الطارئة وبين “ضرورات الوقت”.
مما يعني أن مبرر عرض الأستاذ ياسين رحمه الله، لثنائيات وقضايا كبرى، كثنائية الدعوة والدولة، أو القرآن والسلطان، ودور العلماء وجماعة المسلمين، والجماعة القطرية والقيادة، كان ذا أهمية، فهي دعوة تحتاج إلى نقاش ورؤية من زوايا مختلفة لعل الآخر يستوعبها أو يستسيغها. نقاش من خلال علاقة “جماعة المسلمين” بـ”المجتمع المدني” وعلاقة” دولة القرآن” بدولة “حقوق الإنسان”.

3-جماعة المسلمين مجتمع مدني:

إن الجماعة مؤصلة في ديننا شرعا في الصلاة والجمعة والعيد والحج، وهي تجمعات أصبحت تفقد مقاصدها من تعارف وتراحم وتناصح وتعاون على البر والتقوى وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر. والجماعة في دولة القرآن تجعل من المسجد مجالا للتكتلات المحلية والمهنية والتعاونية والخيرية وهي نواة “جماعة المسلمين” التي تتواصل مع الناس، أو ما يسمونه “الجماهير الشعبية”، أو الشعب والمجتمع باختصار، وتبلغها الدعوة التي هي وسيلة تحقيق دولة القرآن.
والمجتمع المدني، مجال جماعة المسلمين وغير المسلمين، لا معنى له في غياب دولة القانون، دولة المؤسسات، دولة المجتمع، حيث جدلية الحقوق والواجبات ومساهمة الجميع في القرارات وبهذه العلاقة تتسع جماعة المسلمين لتشمل الفعاليات والهيئات والمنظمات الاجتماعية والثقافية من مفكرين وعلماء وحقوقيين الذين يعملون كل من موقعه من أجل خوض معركة الديمقراطية وحقوق الإنسان على جميع المستويات، لأن مهمة التغيير لا يمكن أن يقوم بها طرف واحد.

4-دولة القانون من أجل دولة القرآن

يحتاج الربط بين الدولة والقرآن إلى تمييز تشريعي، فالدولة مشروع غير مقدس ناشئ من طبيعة الوظائف التي تقوم بها، فهي تشكيل تنظيمي يمارس سلطات معينة على المجتمع وليس فيها مقدس. فهي مؤسسة من مؤسسات الأمة، وسيادة الدولة ليست مجردة أو سلطة عليا فوق الجميع، لأن مصدرها بشري وليس إلاهيا، وباعتبارها دولة القانون فهناك احتكام للمؤسسات، أي أن تصرفات الحكام مقيدة بقواعد قانونية ودستورية يمكن للمواطنين المطالبة باحترامها أمام قضاة مستقلين.
فدولة القرآن في مقصديتها دولة الحق والقانون، أي أنها دولة تحتكم إلى القرآن كمصدر للتشريع القانوني والدستوري. دولة ضمنت وتضمن الحقوق القانونية والمدنية لكل الفئات. مما يعني أن استيعابها يحتاج إلى استحضار المنظومة العامة للتصور الإسلامي التي تتجاوز خصوصية دولة المخزن أو الدولة القطرية أو الدولة الحديثة الناتجة عن تقسيمات الاستعمار، فدولة القرآن لا حدود جغرافية ولا سياسية لها، إنها الدولة التي يكون اقتصادها خيرات لكل المسلمين وغير المسلمين، ويكون الفقر نشازا فيها، يتحمل الجميع فيه المسؤولية، فـ”أهل العرصة” من المسلمين ـ كما جاء في الحديث ـ ليسوا في الشرق ولا في الغرب، إنهم “جماعة المسلمين” “جماعة سيد المرسلين” الذي يحمل هم أمته في الدنيا والآخرة، وواضع أسس “دولة القرآن”.

أضف تعليقك