التربية وعلاقتها باقتحام العقبة

التربية وعلاقتها باقتحام العقبة

لا نجد صعوبة في أن نعطي للتربية مفهوما يتناسب والمجال الذي تعمل فيه وعليه، لكن أن نتكلم عن التربية الإيمانية الجهادية، وعلاقتها بمفهوم الاقتحام القرآني، فهذا شيء يحتاج إلى بعد النظر ودقة المعاني، لأن معانيها نفسية وحسية، فردية وجماعية في نفس الوقت، لذا فالتعامل معها يحتاج إلى الحكمة اللازمة في علاقة التربية بالعقبات اقتحاما، ليعطيها فرصة كبيرة للاستمرار حتى تنفذ مهمتها، ولن يتحقق ذلك إلا بعلم مسبق بالمعنى العميق للاقتحام، ووجهته، وكيفيته.

اقتحام العقبة

اقتحم الأمر، خاضه بشدة وبصعوبة، اقتحم فلان عقبة أو وهدة، رمى بنفسه على شدة يريد اجتيازها وتخطيها، واقتحم الأمر، خاضه بشدة وبصعوبة، والاقتحام “الدخول في الشيء بشدة، والقحمة الشدة.” 1

العقبة مفهوم قرآني، جاء في سورة البلد، فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولائك أصحاب الميمنة، والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة، عليهم نار موصدة .سورة البلد / 11

ارتبط مفهوم الاقتحام في هذه الآيات بالعقبة في قوله تعالى “فلا اقتحم العقبة”، وفيها نجد أن الحرية اجتمعت بمصير الإنسان في الآخرة، فإن المصير يصبح مرهونا بسلوك الإنسان في الدنيا وبحريته، فإما حرية تحقق المنفعة الدنيوية فقط، فيكون من أصحاب المشأمة، وإما حرية تولد إرادة تدفعه لاقتحام العقبة، فيكون في الآخرة من أصحاب الميمنة.

تجديد مفهوم الاقتحام

إن التفسير الذي يبحث عن الأحكام الشرعية الجزئية يفسر فك الرقبة وإطعام المسكين واليتيم والكينونة مع الذين آمنوا في سياق تفصيل الأحكام الفقهية، “لكن أي شيء يمنعنا أن نفهم عن اللّه عز وجل ما وراء الأحكام التفصيلية، ما يجمع تلك الأحكام وما يربطها وما يكون منها معرفة شمولية للإنسان وسلوكه عبر العوائق والحواجز التي تعترض صعوده في معارج الإيمان؟” 2 فنكون آنذاك قد خرجنا من إطار ما تسمح به الأحكام التفصيلية الجزئية إلى فقه أوسع جامع، يعطي معاني أكبر عن الاقتحام وطبيعته، وعن العقبات ونوعيتها، فينتقل فك الرقبة من المفهوم الجزئي إلى مفهوم كلي، بمعنى  تحرير الإنسان من العبودية لغير الله تعالى، ويصبح تفسير إطعام اليتيم والمسكين تحريرا لطاقات الإنسان لينتقل إلى إطعام نفسه أولا، ثم إطعام جماعي للمحتاجين والفقراء والمساكين، ثم الكينونة مع الذين آمنوا وهي “تحرير الإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد، وإدماجه في الجماعة ليتحزب لله عز وجل،” 3 وبهذا يكون المؤمن قد وضع نفسه على الجادة لما اكتمل في وعيه الجمع بين المصيرين: مصيره الفردي إلى الآخرة، ومصير أمته إلى الاستخلاف والتمكين في الأرض.

لكن يبقى المعنى الحقيقي “للاقتحام، قلبي أولا ثم جوارحي بعد ذلك” 4 لأن اقتحام العقبة ما هو إلا “تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام، حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل، وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية، وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية.” 5

فاقتحام العقبة ما هو إلا استجابة نداء الله تعالى للنهوض إليه، لأن “الاستجابة لا تتخذ معناها من خصال المقتحم ولا من وعورة المسلك، لكن من كونها تلبية لنداء الحق.” 6

وبالجمع بين المصيرين في وعي المؤمن تكون وجهة الاقتحام قد تحققت في كليتها كما كانت عند الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار لا ينفصم في فكرهم وممارسة همهم الفردي عن هم أمتهم، وكذلك المؤمن الكامل الإيمان هو ذاك الذي لا يهرب من الميدان مخافة التلوث، لا يدع العالم وصراعاته للتقوى والعبادة، لا يفصل الاقتحام الذي تحدثنا عنه ما هو إلا استجابة المؤمن لنداء ربه عز وجل الذي يدعوه لاقتحام العقبة، لكن هذه “الاستجابة لا تتخذ معناها من خصال المقتحم ولا من وعورة المسلك، لكن من كونها تلبية لنداء الحق، مصيره في الآخرة عن مصير أمته التاريخي.” 7

الاقتحام الفردي والجماعي

نجد عقبات في طريق اقتحام العقبة، فعند قراءة آيات اقتحام العقبة، يطرح المومن الذي له إرادة قوية لاقتحام العقبة، أسئلة محرجة على نفسه، ماذا يفعل المومن لاقتحام العقبة؟ وما الذي يقدمه ويؤخره؟ وما السبيل لاقتحام العبد رقبته؟ الاقتحام مشروط باقتحام عقبة الشهوات، وعقبة عبادة غير الله، وهذا ما يشير إليه الحديث النبوي الشريف ” تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضى وإن لم يعط لم يرض.” 8 فإذا استطاع الإنسان أن يعتق نفسه من عبودية شهوات الدنيا وملذاتها، فقد اقتحم العقبة النفسية، فبين المومن والسعادة في العاجل والآجل اقتحام العقبة، فاقتحام العقبة أن يكون المومن حرا من غير عبودية الله، والاستقامة على أمر الله، والالتزام بشرع الله.

فالمسلم الذي لا يستقيم على أمر الله، لا زال بينه وبين أن يكون مومنا عقبة كبيرة، ولا تكفي الإرادة الصادقة لتحقيق معنى الاقتحام، بل لابد من طرح سؤال: هل تم اقتحام العقبة بالفعل؟ هل ضبطت كل الأمور والسلوك؟ واستقامت على أمر الله؟ وزالت المعاصي والمخالفات؟ إن لم تتحقق الاستقامة فالعقبة قائمة، والإقبال ممنوع، والطريق مسدود، والمعصية حجاب كثيف.

في طريق فوز المومن برضى الله تعالى عقبات فردية، “شيطنة النفس، وشيطنة الوسواس الخناس من الجنة والناس، وفتنة الدنيا، تشكل مجتمعة عقبة في أنفس البشر.” 9    

اقتحام العقبة بالنسبة للفرد المؤمن الذي يؤرقه مصيره في الآخرة كما يؤرقه الحال الذي وصل إليه المسلمون يكون بالتربية، ” فالتربية بداية السير، فمتى كانت متينة على هدى من الله كان الجهاد ممكننا.” 10 وبذلك يندمج المؤمن في الجماعة المنظمة “اندماجا عاطفيا وحركيا، اندماجا لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا، بل يمتد إلى الحياة الأبدية.” 11

وفي طريق عزة الأمة وقوتها عقبات جماعية، إعادة إحياء الأمة ورفعها من هذا المنحدر، الذي أسقطها الملك العاض والملك الجبري فيه، هي عقبة جماعية، هذه العقبات علينا أن لا نتصورها منعزلة، وإنما هي مزدوجة ومتصلة، يجتمع في وعي المؤمن انشغاله الفردي بنفسه، وانشغاله الجماعي بأمته، فتجتمع الغايتان، الغاية الفردية التي تستهدف رضى الله تعالى، والغاية الجماعية التي تستهدف إقامة نظام إسلامي يقيم دين الله تعالى في الأرض، “اقتحام العقبة بالنسبة للفرد المؤمن جهاد لنفسه كي تستقيم على طاعة الله، وجهاد مع المومنين المتواصين المتراحمين لإقامة دين الله في الأرض.” 12 وبهذا الازدواج الاقتحامي للعقبة الفردية والجماعية، يصبح الاقتحام بالنسبة لجند الله المنظمين اقتحام شامل، “جهاد تربوي وتنظيمي وميداني ومالي وقتالي وسياسي.” 13

نستخلص من هذا الفهم التجديدي، إلى أن الاقتحام يقوم على الربط بين المعنى التربوي والمعنى الجهادي، أو بين الاقتحام الفردي سلوكا إحسانيا إلى الله تعالى، والاقتحام الجماعي جهادا في سبيل الله والمستضعفين، وصعودا نحو عزة الأمة وكرامتها تحقيقا للعبودية الحقة، التي تتأسس على عدة معاني وأسس منها:   

التحرك الإرادي والقلبي، وقوة الإيمان والصحبة.
اكتساب الإرادة القوية المقتحمة.
تأسيس جماعة منظمة وقوية، يتحقق فيها الاقتحام الجماعي بجند الله المجاهدين.
الرؤية الواضحة في تصور الاقتحام، “اقتحاما على هدى لا على تخبط، على علم لا على ظن، على حق وسنة لا على هوى وبدعة.” 14
الثبات والتؤدة في السير، “فالقوي الأمين الثابت في رباطه لا يتزعزع عن خط سيره مهما كانت العقبات.” 15
التخطيط للحركة الاقتحامية تخطيطا محكما، تتضح من خلاله الطريق والوجهة،  والغايات المحددة والمرجوة.
منهاج واضح للاقتحام الفردي والجماعي.

خاتمة

هناك عقبات أمام المومن الفرد، تتمثل في أمراض النفس والهوى، وحب الدنيا والشهوات، والأنانية المستعلية، هذه الأمراض/العقبات تصده عن تحقيق إراداته في السلوك إلى الله، تحتاج هذه الرادة إلى قوة ذاتية، وشرطها أن تكون قوة إيمانية اقتحامية، والجماعة المومنة تصدهم عن تحقيق إراداتهم الجماعية عقبات تتمثل في العقبات السياسية والاجتماعية والثقافية والتخلفية الاقتصادية العلمية التكنولوجية؟ أمراض الأمة كثيرة ميراث الفتنة وخلافات الأجيال والجهل والتفرق والغثائية والعادات الجارفة وذهنية القطيع، والاستبداد، هذه الإرادات تحتاج إلى قوة جماعية، والشرط لهذه القوة أن تكون قوة إيمانية جهادية اقتحامية. ولابد من توفر الشرطين حتى ترجع الأمة حاملة الرسالة إلى العالمين.

أما إن ” كانت عقبَات الصمم عن سماع النداء الموجه للفطرة، وعقبات الكبرياء المانعة من الأخذ عن الأكابر، وعقبات البعد عن عهد النبوة والصحابة، وعقبات الدنيا والشهوات المانعة من التوبة واليقظة، وعقبات الانغماس والانطماس عن طلب المعالي حواجزَ شاهقة وسدودا غالقة عن الاقتحام،” 16فلا نرجو اقتحاما، ولا طلبا للمعالي، أو خروجا من التردي والأماني، وإنما مزيدا من القعود مع الأحلام، والتلذذ بما انبثقت به عقول الآباء والأجداد الذين اقتحموا العقبات، وسطروا لنا تاريخا مليئا بالبطولات والانتصارات، وهذا كله ليس من المعجزات أو المستحيلات، بل هو وعي نتج عن قوة الإيمان بالله تعالى وبرسالته للناس أجمعين، كما نتج عن الفهم العميق لكتاب الله الذي أمر الفرد المومن والجماعة المسلمة باقتحام العقبات، لتحقيق عزة الفرد والأمة، وعمارة الأرض بالصلاح والإصلاح.  


[1] اللباب في علوم الكتاب، أبي حفص الدمشقي، دار الكتب العلمية، بيروت- الطبعة الأولى، 1998م. ص : 444.
[2] مقدمات في المنهاج، عبدالسلام ياسين، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، طنطا، ط:2 1995م. ص: 56
[3] نفسه. ص: 57
[4] الإحسان 1 ، عبدالسلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط 1، 1998م. ص: 97
[5] مقدمات في المنهاج، عبدالسلام ياسين، ص: 16
[6] نفسه، ص: 54
[7] نفسه، ص: 64 
[8] صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، بيروت، ط:3، س:1987م.ج: 5 – ص: 2364
[9] الإحسان1، عبدالسلام ياسين، ص: 94
[10] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ياسين، عبدالسلام، ط 2، 1989م ص: 11
[11] نفسه. ص: 16
[12] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، عبدالسلام ياسين، ص: 19
[13] نفسه. ص: 19
[14] نفسه. ص: 117
[15] نفسه. ص: 45
[16] الإحسان 1، عبدالسلام ياسين، ص: 135

Related Articles

أضف تعليقك