الشورى والديمقراطية السياق والمساق

الشورى والديمقراطية السياق والمساق

الشورى والديمقراطية السياق والمساق..عرض لكتاب الإمام عبد السلام ياسين: 

هذه مقالة تسعى لأن تقدم التصور الذي يقرأ به الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى إشكالية العلاقة بين الشورى والديمقراطية، وذلك من خلال عرض مركز ومجمل لكتابه “الشورى والديمقراطية” . وكان الكتاب قد صدر سنة 1996 عن دار الأفق في 372 صفحة موزعة بعد المقدمة والخاتمة إلى خمسة فصول مرتبة كالآتي:

– الفصل الأول: تناول السياق الإيماني للشورى؛

– الفصل الثاني: عرض للمساق الديمقراطي في خصائصه الجوهرية والتاريخية؛

– الفصل الثالث: يكشف عن النداء الرباني المحدد لماهية الإنسان ونفسيته وللاستجابة الواجبة المحددة لسلوك هذا الإنسان في علاقاته المجتمعية؛ ويطرح أسئلة المعنى والمبنى على الديمقراطية؛

– الفصل الرابع: يسائل الأرصدة التاريخية الواقعية لحقيقة الديمقراطية ولمعنى التغيير الإسلامي؛

– الفصل الخامس: يوضح مساق الإنسان الديمقراطي ويبرز معاني الولاية والتربية الإيمانية والرابطة الجامعة لآليات الشورى.

أولا: مساق الديمقراطية

في تحديده لمعنى المساق ينطلق الأستاذ من المقاربة الاصطلاحية اللغوية لدلالة مفردة المساق من خلال مرجعية قرآنية ليقرر أن “المساق صيغَتْ «مساق» مَصاغ المصدر الميمي. وتحمِل الصيغَةُ الدَّلالةَ على اسم المكان واسم الزمان. وردت الكلمة في سورة القيامة، في آياتٍ تذْكر أين يُساق الإنسان، وإلى مَن يُساق. وتذكُر صفات الإنسان المَسُوق إلى ربنا عز وجل بعد الموت” ص 277. وهي مسردة من الصفات التي تعكس نفسية وذهنية وجشع الإنسان وحبه للدنيا، وعلى ضوء استحضار معنى الإنسان في مفهومه القرآني وبناء على أرضية تاريخية ومذهبية ومنهجية وفلسفية يفكر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين الديمقراطية ويفككها من خلال ثلاثة مستويات أساسية:

1- مستوى القراءة الفكرية التاريخية نشأة ومسارا

لقد ارتبطت نشأة وتطور الديمقراطية بنشأة وبروز مجموعة من المفاهيم منها:

– مفهوم الدولة الوطنية أو الدولة القومية في القرنين 18 و19 والانتقال إلى النظام القائم على التراب والحدود والشعب واللغة؛

– مفهوم السلطة ومؤسساتها من جيش وإعلام واقتصاد ومصالح وطنية، وبروز مفاهيم فصل السلط وسيادة القانون والدستور؛

– مفهوم المواطنة وحقوق المشاركة؛ ومفهوم سيادة الشعب بممارسة حقه في اختيار الحاكم والمداولة على السلطة من خلال حكم الأغلبية عبر الديمقراطية النيابية؛

– مفاهيم الحريات العامة وحقوق الإنسان مع ما يعينه ذلك من تعددية حزبية وبرامجية وحرية التنقل والتعبير والتعليم والسكن والتطبيب وبالتالي شرعية المعارضة نقدا وتوجيها ورقابة؛

تفضي القراءة التاريخية إلى فهم أن نشأة ومسار الديمقراطية مرتبط ببنية تاريخية ومجتمعية خاصة بمجتمعات غربية كانت لها إشكالياتها وأسئلتها الخاصة ومحاولات استنباتها خارج بنيتها الأصلية بما هي عليها استنبات لنبتة غريبة لن تلبث أن تصير إلى كائن ممسوخ خارج تربته الأصلية الأصيلة.

2- مستوى القراءة الداخلية بنية وخصائص

في قراءته لجوهر الديمقراطية يؤكد الأستاذ المرشد أن النشأة التاريخية الفكرية للديمقراطية لا يمكن فصلها عن لازمتين اثنتين وقاعدة أساسية؛ أما اللازمتان فهما:

– اللائكية: وهي مفهوم يمنح السيادة للشعب ويفصل الدين عن الدولة، ويقصي الدين لصالح الدنيا، ويقصي الشرائع لصالح القانون الوضعي، ويشنق رجال الإكليروس الديني لصالح رجال الإكليروس المدني، حيث تغدو لرجال الأحزاب نفس القدسية التي لرجال الكنيسة. ومن هنا فلا ديمقراطية بدون لائكية علمانية.

– الليبرالية: وهي مذهب اقتصادي يقوم على حرية التبادل الاقتصادي والمنافسة والربح فلا صوت يعلو فوق صوت السوق ولا لغة خارج لغة الذهب والمال ولا مصلحة تعلو على مصلحة الربح والانتفاع المادي من هنا نشأة مجتمعات الاستهلاك والدعاية.

وأما القاعدة الأساسية فالمجتمع المدني الذي له بعدان: بعد مدني تربطه مصالح أرضية قائمة على تدبير المعاش، وبعد آخر يظهر في المؤسسات الحرة التي تفكر وتناقش وتعارض، رابطته الأولى هي المواطنة والمساكنة في إطار مضبوط بعقد اجتماعي قائم على قانون مكتوب وأعراف متفق عليها لتجاوز استبداد البعض ولتحقيق الحرية والمساواة، وجوهره الثاني السعي لتحقيق المصالح بين مختلف فئات المجتمع وضبط توازناتها بواسطة مؤسسات المجتمع المدني.

تؤدي القراءة الداخلية لبنية وخصائص وجوهر الديمقراطية إلى استجلاء أن الأخذ المذهبي بالديمقراطية تنصل من ماهية الإسلام وتنازل عن مرجعية الإيمان إلى دين بمعنى “الرولجيون”، وإلى إنسان بمعنى “القرد المتطور”، وإلى عقل ملحد لا شأن له بالله واليوم الآخر، وإلى علاقات أرضية معيشية لا خبر لها عن الولاية العامة بين المومنين.

3- مستوى القراءة النقدية المقارنة

في تفكيكه لمعنى الديمقراطية ينهج الأستاذ المرشد نهجا نقديا مقارنا بينها وبين الاستبداد من جهة وبينها وبين الشورى من جهة ثانية، في هذا الصدد يؤكد الأستاذ المرشد على المعطيات التالية:

– أهمية تحديد المصطلحات والمفاهيم تجنبا للخلط والوهم والتعسف في التحليل، ذلك أن عدم ضبط المرجعيات النظرية والسياقات التاريخية والمساواة بين الديمقراطية والشورى يسقط في غموض النتائج والخلط المنهجي بين مصطلحات لكل منها دلالتها المرجعية الخاصة؛

– ضرورة إنصاف الديمقراطية فلا نغمطها حقها ولكن نبدي عيوبها ومساوئها وتطبيقاتها وخدعها في مجتمعاتنا، خاصة في رفضها الحوار حين يكون المتكلم يتحدث لغة الحساب والجنة والنار والصدق والكذب؛

– فكريا يسجل أن الديمقراطية نظام بشري، ترتيب عقلاني لحياة المجتمع راكمت آليات حكيمة لتسيير دواليب الدولة على أساس التعايش والرضى العام بعد أن أعيت الناس الحروب والكوارث فأعز غاياتها تحقيق الحرية والرفاه، هي إذن “شكلا حكمة بشرية تمنع التظالم وتعطي الحقوق وتنفي الغموض” ، لكنها جوهرا تسكت عن حقيقة الإنسان وعن ماهيته، فهي إن اقترحت على الإنسان مخرجا من الاستبداد والظلم البشريين لا تقترح عليه ولا يدور بخلدها مخرجا من الظلم الأكبر الذي هو الكفر. فلا علاقة للديمقراطية بالمطلب الأخروي مطلب المصير؛

– فلسفيا ترتبط الديمقراطية بتأليه العقل واعتبار الإنسان دابة متطورة في سلم الترقي القردي، وتجعل حياته دنيا لا معنى لها ولا وجهة، وعليه فإن اهتمت بتدبير المعاش فلا خبر لها عن المعاد؛

– إن الفصل بين الدين والسياسة أدى إلى الفراغ الروحي وإلى سيطرة البهيمية وغياب الأخلاق وسيادة الميكيافلية، مما ولد تغييبا للحس الإنساني والعطف الأخوي لصالح المنفعية والانتهازية؛

– واقعيا تفضح سياسة الكيل بمكيالين في واقع الديمقراطيات الغربية دعوى سيادة الشعب وحكم الشعب إذ لا تعامل إلا بمنطق الأقوى ومنطق المصلحة وحصار واستعمار البلاد الإسلامية شاهد على ذلك، ولعل الذين يحاكمون الإسلاميين ويعتبرونهم خطرا على الديمقراطية هم من اغتال الديمقراطية في الجزائر وتركيا وتونس ومصر والمغرب ورموا الشرفاء في السجون لتعبيرهم عن آرائهم؛

– في الممارسة الواقعية دائما تكشف الديمقراطية عن نفاق سياسي وغموض فكري وتخوف من الشعب حين لا تترك للشعب فرصة الاختيار الحر الحقيقي وهو الشعب المسلم عبر تاريخه، وحين يسيطر من يملك المال والإعلام والرأي على أجهزة المجتمع فيسود الرأي الأوحد وتنحط الحرية إلى عبادة الشيطان وعهر الزنى والخنا، فلا يتوازن الشكل العملاق مع المضمون الدوابي الرديء.

تمكن القراءة النقدية المقارنة من مسح أوهام أن ما عند الآخر فقط بفعل تقدمه وغلبته هو وتأخرنا وتخلفنا نحن هو الحق الذي لا مرية فيه، والعلم الذي لا علم بعده، بينما يمنح النظر السديد الواعي بالمسارات التاريخية والخصائص الجوهرية والتطبيقات الواقعية عن فظائع وفضائح الديمقراطية ويكشف عن عيوبها ونقائصها وعدم قدرتها على تحقيق معنى السعادة للإنسان.

ثانيا: سياق الشورى

من المرجعية القرآنية وبالنظر للدلالة اللغوية الاصطلاحية يقدم الأستاذ المرشد لمعنى السياق المعاني التالية: “”سياق” على وزن “فِعالٍ” صيغةِ التبادُل في الفعل. تساوقت الإبِلُ: تتابعت. ساوقه: تابعه. وهكذا تكون بنودُ الشورى وشروطها المذكورةُ في سورة الشورى نسقاً متتابعا يشد بعضه بعضا، ويلْزَم من وجودِ بعضِه وجودُ بعض، ومن فقدِه فقْدُه. لا يكتمل النسق ولا يُسَمّى النظامُ شورى إلاَّ باكتمال السياق، وتناسُق الصفاتِ النفسية القلبية العملية الإيمانية في ذات العاملين على الشورى جماعةً، وفي ذات المشارك في الشورى فردا” ص 277.

وباستحضاره لمعنى ودلالة السياق الشوري هذا، يقرأ الأستاذ المرشد معنى ومبنى الشورى في سياق قول الله تعالى في سورة الشورى: فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) .

وعليه، تتم مقاربة هذا المفهوم من خلال عشرة معالم كبرى هي:

1- بيان حقيقة الدنيا في وجود الإنسان من حيث كونها متاع زائل و“رحلة موقوتة بعدها موت وبعد الموت حياة” ص 14.

2- الاعتقاد في وجود الدار الآخرة يقينا مستمدا من الخضوع لما جاء به الوحي الرباني والامتثال لفرائض الله امتثالا ينخرط به المسلم في ولاية المومنين العامة؛ ص 14.

3- التوكل على الله عملا وجهادا فرديا وجماعيا لأداء مهام الاستخلاف في الأرض إعدادا للأسباب وترتيبا لها مع الثقة التامة في الله ونصر الله؛ ص 15.

4- بناء المناخ الأخلاقي العام تطهرا فرديا من الآثام استغفارا وإنابة، وتآمرا بالمعروف وتناهيا عن المنكر تطهرا جماعيا يمهد للتعبئة العامة للمشاركة في الحياة العامة بإخلاص يجعل من قضية الحكم قربة وعبادة؛ ص 15.

5- تربية القوة الهادئة الرحيمة غير العنيفة التي لا يستفزها الغضب الفردي ولا الهياج السياسي فيصرفها عن التعبئة الجهادية الرفيقة التي تؤلف القلوب وتقنع العقول وتجمع الشتيت والشتات؛ ص 15-16.

6- الاستجابة التامة الكاملة لله بالفعل الإيجابي في المجتمع الحامل المتهمم لا القاعد المتفرج في نسق جامع بين القضية الأخروية والجهاد الأرضي كل هذا من منطلق إيماني يستجيب لنداء الله ويتشوف لما عند الله؛ ص 17-18.

7- إقامة الصلاة من إقامة الدين، لا تمييز بين هذه وتلك، هنا توصل الدنيا بالآخرة، وهنا الصلاة “معلمة عظمى من معالم” السياق الإيماني، وهو أمر لا تعرفه ولا تعترف به الديمقراطية التي ترى مفردات الصلاة والإيمان والدين دخيلة في دنيا الناس، وهذا من نتائج انتقاض عروة الحكم ومن ترسبات الفهم الغربي للدين المقلد للغالب المنتصر؛ ص 21-22.

8- تأتي الشورى بعد الذي مضى مبنية على سبع مقدمات لتكون قبة البناء عملا ومشاركة في التأسيس لحكم راشد على أرضية التراضي العام القائم على الاندماج العاطفي القلبي الإيماني؛ ص 28…38.

9- يأتي الشرط التاسع في سياق الشورى ليعكس أهمية التكافل الاجتماعي بالإنفاق مما رزق الله زكاة وصدقة وإحسانا وتطوعا لتحقيق العدل في قسمة الأرزاق؛ ص 38.

10- مقاومة الظلم والبغي جزء من عشرة أجزاء من شرائط الشورى في سياقها القرآني، ويمكن لهذا الجزء أن يتخذ مدخلا للحوار والتعاون مع الفضلاء الديمقراطيين من دون أن يتنازل المسلم عن حقائق إسلامه التي تعكس بعضا من تجلياته الشروط الأخرى؛ ص 39-40.

هذه المعالم المجتمعة المتتالية تجعل للشورى معنى يجعلها آلية ضمن نسق شمولي متضام يربط الفرد بالجماعة، والدنيا بالآخرة، والسياسة بالدين، والعدل بالإحسان، في مجموع متراص يشد بعضه بعضا لأداء مهام عمارة الأرض على قاعدة الجماعة والولاية والتحاب والاستعداد الدائم للقاء المولى عز وجل.

ثالثا: مآخذ وأسئلة ونداء

على أرضية مفكرة مفككة قارئة لمعنى الديمقراطية في تاريخها وفلسفتها وواقعها، واعتمادا على نظرة قرآنية نبوية لمعنى الشورى ولسياقاتها يعرض الأستاذ المرشد مآخذه على الديمقراطية فيقول:

“مأخذنا الجوهري على الديمقراطية ليس من قبيل الكيف لكن من قبيل المعنى. الديمقراطية -لمن لم يتخذها وصفة جاهزة تستنسخ- هي خير ما وصل إليه الغرب لكيلا يتظالم الناس، ولكيلا تهضم حقوق الناس. نغض الطرف هنا عن فعل الديمقراطية الغربية بحقوق الإنسان في العالم، فذكر ذلك مما يُدمي القلوب… ، لا تسكب الديمقراطية الغربية إلا دموع التماسيح، راضية في الصميم عن بطش من ينوب عنها في إبادة نبتة وَقِحة تعلن أنها مسلمة في قلب مهد الحضارة والديموقراطية: أوربا” ص 23-24.

“مأخذنا الجوهري على الديمقراطية أنها فكرة وحكمة وعقلنة هدفها أن يعيش الإنسان -بعض بني الإنسان- حياة ذكية رَخيّة. مأخذنا عليها أنها لا تقترح على الإنسان مخرجا من الكفر، وهو الظلم الأكبر، فتُبيح ديانتها أن يموت الإنسان غبيا لا يعرف ما ينتظره بعد الموت” ص 24.

“لو كان الإنسان ترابا يعود إلى التراب وقد انتهت الجولة. لو كانت الحياة الدنيا هي المبدأ والمعاد. لو كانت الديمقراطية سِلعة تستورد. لو صحّت “المُسلّمة الدوابية” التي تصنف الإنسان في أرقى سلّم الخليقة بوصفه الحيوان الأرقى تطورا. لو كان ذلك كذلك فغبيٌّ من يبغي بالديمقراطية الرخاء، بالديمقراطية الحرية، بالدّيمقراطية القوة والعلم والنَّعمة بديلا. أمّا وبعد الحياة الدنيا الموت، وبعد الموت بعث ونشور وحسـاب وثواب وعقـاب، وجنة ونار، فالديمقراطية -مضمون الديمقراطية- لا يجيب عن أسئلتي أنا الإنسان، ولا يستجيب لمطالبي الأخروية أنا المومن بالله وباليوم الآخر. تنظم القانونية الديمقراطية حياة عقلاء كانت لهم بالتاريخ الحافل بالحروب والكوارث عبرة، ففضلوا العيش في أمن وسلام على العيش في حرب وأهوال. لا شأن للديمقراطية بالمطْلق، ومصير الإنسان بعد الموت” ص 59.

وبناء على هذه المآخذ يطرح الأستاذ المرشد أسئلة ملحة على الفاضل الديمقراطي:

“متى نخرجُ وإياكم معاشر الفضلاء الديمقراطيين من الدورة الصماء المغلقة التي تلعب بنا وبكم في مهرجانها الأبدي؟ دورةِ التوازن العقيم الذي تقاس فيه فائدة القُوى السياسية بما يُرجى من تصادمها وتحييد بعضِها بعضا من خدمة مصلحة زيد وعمرو من الحكام، لا بصلاحية المقترَح، وذكاء البرنامج، وقوة الاقتناع، والصدق المُوجبِ للإقناع، والثقة الناتجة عن التصديق والاقتناع” ص 345.

“متى نتحرر وإياكم من دورات المساومة على الوَلاء غير المشروط للسلطة. يندفع بعضنا يعرض خدماته بِمقايضةٍ مؤقّتة ومنصبٍ ووَهْمِ “اختراق ديمقراطي”، فيريقُ ماء وجهه، ويضيع شرف حزبه؟” ص 345.

“متى نتحرر وإياكم من الوَلاء للمصالح الخاصة لنعْطي ولاءنا لله، ولمصلحة أمة رسول الله، ولعزة دين الله، ولانتصار شريعة الله. تُسَوَّقُ إلينا المصالح الخاصة في حوانيت الرشوة ومتاجر الزبونية تحت ثيابِ وَلاءٍ وطني ديمقراطي لا يكاد يخجل من سوء خيانته؟ متى نتحرر وإياكم من ظلام المؤامرات وغبَش المساومات في الظل لنقترح وتقترحوا على الأمة برامج تحصِّل فائدة الأمة؟” ص 345.

“متى نعْلنها صريحة صادقة مع الله ومع المسلمين الخاشعين لله ميثاقا إسلاميا يُحَوِّلنا من عهد لعهد، من كذب لصدق، من نفاق لإسلام؟ متى تقتنعون معنا أن ضوء الشمس هو وحده الكاشف لغياهِب الظلام؟ متى تقبض ديمقراطيتكم على قلبها لتُباري شورانا في وضَح النهار، على وجه النهار، وعلى ملإ من الناس: تقولون ونقول، ويُدلي الوطنيون منكم، وورثة الوطنية وأدعياء الوطنية، بما عندهم؟ ونقترح وتقترحون في ساحة يخزَى في حلبتها الكاذبُ والمنافق والدعي والمحترف والمرتشي والخائن، والملحد أولَ شيءٍ” ص 346.

ليكون مسك الختام دعوة للقاء وللحوار وللتواصل عنوانها “تعالوا إلى كلمة سواء” :

“تعالوا إلى كلمة سواء. تعالَ، لا تكن العاجزَ التابعَ. تعال، لا تكن الإمّعةَ! تعال، فإن اللاييكية إن كانت حررت أوربا من ربقة الكنيسة وتوجت ثورتها نضالا حرّاً مجيداً بمعايير الإباء ومناهضة الظلم، فإنها إن استوردنَاها دون أن نستحضرَ تاريخها، وما دفعته من خرافة كنسية كهنوتية تضع على الرؤوس الملكية تيجان الخلود، وما عنته وتعنيه من تحرر النصارى الأوربيين، ودون أن نميز بين دين تحتكره كنيسة ودين لا كنيسة فيه ولا كهنوت، لكنا كالقِردَة المقلِّدةِ. تعال، فإن لك حياة واحدة، وأمامك مستقبل مؤكد واحد هو حفرتك بعد الموت. وما ينبئك بما بعد الموت إلا القرآن وكلمة الله الموحى بها إلى رسول الله. رسولِ الله إليك وإليّ وإلينا” ص 185.

“تعالوا إلى كلمة سواءٍ جامعةٍ! تعال! لفظ الكلمة السَّواء ومعناها أن لا نعْبد إلا الله ولا نُشرِكَ به شيْئا. سماء الكلمةِ السوَاءِ ما بين العبد وربه، توبة واستجابة وإيمان وعمل صالح. أرض الكلمة السواء ما بيني وبين أرباب مستكبرين في الأرض، واجِبٌ عليّ أن أكفُر بهم، وأن أقاتِل بغْيَهم. ولا قدرة لي على قتالهم لأُفرِدَ الله ربي بالعبادة إلا بتحزّبٍ لله يبْني قوة سياسية، قِوامها المستجيبون لله، التائبون إلى الله مثلي، الخارجون من المسجد لمقاومة الباطل، الملتحمون جسداً واحداً بوشائج ما أمر الله به أن يُوصَل” ص 189.

وبهذا يكون كتاب الشورى والديمقراطية بوابة مفتوحة مثلها مثل كل مكتوبات ومسموعات ومنشورات الإمام المرشد لدعوة الإنسان كل الإنسان من خلال مقاربة شؤون معاشه إلى معرفة شؤون معاده بما هو عبد لله، مخلوق لله، صائر إلى الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

نقلا عن موقع الجماعة نت

أضف تعليقك