نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك

نصيبك من الدنيا ينظم آخرتك

أترانا نتعلق بأذيال الغيب لنفر من حقائق الشهادة الصلبة؟ أم تحسب أن قدر الله وشرع الله يتناقضان؟ أم تنسى أن مجال فكر المؤمنين وتحسباتهم واهتماماتهم يمتد بين الدنيا والآخرة، بين العقل والقلب، بين إعداد القوة والتفويض الإيماني، بين التخطيط اليقظ الواعي وطلب التوفيق من رب العزة؟

تحدثنا قبل عن النطاق الإيماني للاقتصاد في فصل خاص، وفي هذه الفقرة نضع إن شاء الله الرخاء المطلوب، وهو نصيبنا من الدنيا، وهو الأمن في السرب، والعافية في البدن، وقوت اليوم، في موضعه الشرعي.

فإن وضعنا الآمال في غير موضعها الشرعي، وأطلقنا العنان للشهوات أو للطموح في التوسع الزائد عن الكفاية، أو وجهنا الاقتصاد وجهة التنمية بلا حدود والاستهلاك بلا ضابط، فهو الظلم والبغي.

قال الله تبارك وتعالى يحكي لنا خطاب قوم موسى لباغ معتد منهم: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص، 77-76)

وأي إفساد في الأرض أشد بغيا من أن تتكدس الأموال والثروات في أيدي قلة من الناس، ويبقى الجمهور عائلا جائعا فقيرا!

يستشهد بعض عامة الفكر، عامة العلم، عامة الإيمان، بآية {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص، 77) في معرض التشجيع على المتعة والشهوة، يخرجون الجملة من سياقها، وقد وردت في خطاب قوم مظلومين إلى ظالمهم يناشدونه الحق أن لا يتعدى حقه ونصيبه فيستحوذ على حقهم ونصيبهم.

قال العالم أبو طالب المكي يبين حدود النصيب الطيب للعبد من الدنيا ومأخذه ومصرفه ووظيفته: «روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (الأنعام, 82) (وقد سئل) من هؤلاء؟ فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعف فرجه وبطنه».

قال: «ثم ليَنْوِ المتصرف في معاشه كف نفسه عن المسألة، والاستغناء عن الناس، وقطع الطمع فيهم، والتشوف إليهم، فذلك عبادة إذا نوى نزعه. ثم ليحتسب السعي على نفسه وأطعمة عياله فهو له صدقة (…) ويكون أبدا مقَدِّما للدين والتقوى في كل شيء. فإن انتظمت دنياه بعد ذلك حمد الله، وكان ذلك ربحا ورجحانا. وإن تكدرت لذلك دنياه، وتعذرت لأجل الدين والتقوى أحواله في أمور الدنيا، كان قد أحرز دينه وربحه، وحفظ رأس ماله من تقواه، وسلم له. فهو المعول عليه والحاصل له. إلا أن من ربح من الدنيا مثل المال وخسر عشر الدين، فما ربحت تجارته، ولا هدي سبيله، وهو عند الله من الخاسرين.

«وقال بعض السلف: أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل، وأحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل. وكذلك قال معاذ ابن جبل رضي الله عنه في وصيته: «إنه لابد لك من نصيبك من الدنيا وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينظمه لك انتظاما، ويزول معك حيثما زلت. وقد قال الله تعالى: «ولا تنس نصيبك من الدنيا»: لا تترك نصيبك في الدنيا من الدنيا للآخرة، لأنك من هاهنا تكتسب الحسنات فتكون هنالك من المحسنين».

الآخرة تنظم الدنيا. ومن يكدر آخرته لعاجل دنياه فنصيبه الخسران، وإن كان يظن أن ما يخوض فيه من متاع الدنيا قسمة له مقسومة.

والاستقامة في الدنيا تنظم الآخرة. فإن من لا يأوي إلى ركن أمين، ولا يجد من بدنه عافية تمكنه من الكسب، ولا يترك له هم القوت اليومي فسحة لتدبير عاقبته بعد الموت لفي كبد، يذهله تدبير دنياه المضطربة عن تدبير آخرته… إقرأ المزيد “كتاب في الاقتصاد ص-205”.

Related Articles

أضف تعليقك