منهاج القرآن الكريم في التزكية والتعليم

منهاج القرآن الكريم في التزكية والتعليم

أولا: التزكية والتعليم في اصطلاح القرآن

1. التزكية في اصطلاح القرآن

التزكية في اللغة ترجع إلى معنيي النماء والتطهير، ومنه قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها 1 أي تنمي أموالهم، وقوله تعالى:وما يدريك لعله يزكى 2 أي يتطهر من الشرك والمآثم. والتزكية في اصطلاح القرآن هي: التطهير والنماء ببركة الله تعالى وفضله. والآيات الواردة في الزكاة والتزكية تشير إلى:
– أن التزكية هي فضل من الله تعالى على من يشاء.ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء 3 .
-أن عملية التزكية محتاجة إلى المعلم المربي، ولا تزكية بغير مرب،كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ 4 .
– أن التزكية من قبل المؤمن ينبغي تجددها، وهذا ما يفيده مجيء التزكية فعلا مضارعا في أكثر من آية، من مثل قوله تعالى:
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. قال أبو حيان عن قوله تعالى:يتلوا عليكم ءاياتنا ويزكيكم ويعلمكم…:وأتى بهذه الصفات فعلاً مضارعاً ليدل بذلك على التجدد، لأن التلاوة والتزكية والتعليم تتجدد دائماً) 5 .

2.التعليم في اصطلاح القرآن

قال الراغب: وأعلمته وعلّمته في الأصل واحد، إلا أن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع، والتعليم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثر في نفس المتعلم.قال بعضهم: التعليم تنبيه النفس لتصور المعاني، والتعلُّم تنبُّه النفس لتصور المعاني…فمن التعليم قوله:الرحمن علم القرآن…ويعلمهم الكتاب والحكمة) 6

ثانيا :التزكية والتعليم وصفان أساسيان في المربي المعلم

مؤهلان اثنان أساسيان ضروريان أن يتكاملا في المعلم المربي لإعانته على توصيل بلاغ القرآن، وعلى التأثير التربوي.كان الرسول معلما مربيا لصحابته ولهذه الأمة،هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 7 .
(رسولا منهم): دعا إبراهيم عليه السلام ربه قائلا : (ربنا وابعث فيهم رسولا)، فأجاب الله له دعوته، فبعث في ذريته (رسولاً منهم) وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر عن نفسه بأنه دعوة إبراهيم. ولم يبعث الله إلى مكة وما حولها إلا هو صلى الله عليه وسلم. وهذا الرسول هو منهم، أي من جنسهم بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وليس ملكا، فهم يعرفونه شخصاً ونسباً ومولداً ومنشأً، لأن معرفة ذات الشخص متقدمة على معرفة ما يصدر من أفعاله. قال أبو حيان أي كائناً منهم لا من غيرهم، فهم يعرفون وجهه ونسبه ونشأته، كما قال: (لقد منّ الله على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم)، ودعا بأن يبعث الرسول فيهم منهم، لأنه يكون أشفق على قومه، ويكونون هم أعز به وأشرف وأقرب للإجابة، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته) 8 .وقال في موضع آخر:والمنة عليهم بكونه من أنفسهم، إذْ كان اللسان واحداً، فيسهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه. وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به) 9 .
مواصفات الرسول المبعوث أنه يتلو عليهم آيات ربهم، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب، ويعلمهم الحكمة.
مجموع هذه الوظائف يؤول إلى صفة واحدة هي صفة المربي المعلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم حين سألوه يوما عن الطهارة من الخبث:“إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم” 10 .والد يعلم، ومرب معلم. الوظيفتان معا مندمجتان غير منفصلتين.
(يتلو عليهم آياته) والتلاوة من معانيها:
-القراءة: ومنه:قل لو شاء الله ما تلوته عليكم،هنالك تتلو كل نفس ما أسلفتفي قراءة حمزة والكسائي وخلف. والرسول عليه السلام كان حينما بنزل عليه الوحي يقرؤه على أصحابه، وقرأ صلى الله عليه وسلم القرآن على الجن إذ جاءوا يستمعون إليه:وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ 11 .
ثم إن للتلاوة تأثيرا بليغا في المستمع، ولذ كان الرسل صلى الله عليه وسلم يحب أن يتلو عليه أحد القرآن. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:“اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟. قَالَ: نَعَمْ. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ على هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قَالَ : حَسْبُكَ الْآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ” 12 . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى:“لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ” 13 .
– التبليغ بالإقناع. يقول ذ. عبد السلام ياسينتلاوة الآيات تبليغ مادي آلته اللسان، وتبليغ بالإقناع لصدق المبلغ ينضح بصدقه نبرة صوته، وخشوعه وبيان ما يتلوه وإعجازه، ثم طاعته لما يوحى إليه، وبيانه للغامض منه على أفهام السامعين، وتفصيله للمجمل، وتخصيصه للعام. وكل ذلك وحي لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى) 14 .قال الله تعالى يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم ويعلم من بوسعه منا أن يتعلم:وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه 15 .
(ويزكيهم).قال أبو حيان:(ويزكيهم) باطناً من أرجاس الشرك وأنجاس الشك، وظاهراً بالتكاليف التي تمحص الآثام وتوصل الإنعام. قال ابن عباس: التزكية: الطاعة والإخلاص. وقال ابن جريج: يطهرهم من الشرك. وقيل: يأخذ منهم الزكاة التي تكون سبباً لطهرتهم. وقيل: يدعو إلى ما يصيرون به أزكياء. وقيل: يشهد لهم بالتزكية من تزكية العدول، ومعنى الزكاة لا تخرج عن التطهير أو التنمية) 16 .
(ويعلمهم الكتاب والحكمة) يعلمهم الكتاب وهو القرآن، يعني أنه يعلمهم الأحكام الشرعية.
والحكمة وهي السنة يعني الكيفيات العملية التطبيقية التفصيلية.قال الطبري :وَيُعَلِّـمُكُمُ الْكِتَابَ وهو الفرقان، يعنـي أنه يعلـمهم أحكامه، ويعنـي بـالـحكمة: السنن والفقه فـي الدين) 17 .

ثالثا:التقديم والتأخير بين التزكية والتعليم في القرآن

وردت التزكية مقترنة بالتعليم في أربع آيات من الذكر الحكيم، في واحدة منها تقدم لفظ التعليم على التزكية، وهي قوله تعالى:رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 18 وتقدمت التزكية على التعليم في البواقي، وهي قوله تعالىكَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ 19 وقوله:لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 20 ، وقوله سبحانه:هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 21 .
ويمكن توجيه التقديم والتأخير بما يلي:
1- إن تعليم الكتاب والحكمة، ناشىء عن تطهير الإنسان نفسه، باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فيعلمه إذ ذاك ويفهمه ما انطوى عليه كتاب الله تعالى، وما اقتضته الحكمة الإلهية،كذا
ذكر أبو حيان في تفسيره 22 ، وهذا المنحى يشهد له قول اله تعالى:

واتقوا الله ويعلمكم الله 23
2-إن التزكية قدمت تارة على التعليم وأخرت تارة أخرى، لنعلم أنها ينبغي تجددها، فهي قبل التعليم واجبة، وهي بعده لابد منها. وهذا ما يقتضيه العطف بالواو.

رابعا: منهاج القرآن في تزكية الأنفس

إن تزكية النفس تكون بتهذيبها، وصقلها، وكفها عن محارم الله، وزجرها عن حماه، وقمعها، وردعها، وتوبيخها في جنب الله، وحملها على طاعته، وخضوعها لجلاله، وخشوعها لهيبته، وتَضَعُّفها أمام قوته، وتواضعها لقدرته، ورضاها بقضائه وقدره، وصبرها على بلائه، وخوفها من بطشه، ورجائها في عفوه، وشوقها للقائه، ورقتها لخلقه، وذلتها على المومنين، وعزتها على الكافرين، وعدائها للشياطين وإخوان الشياطين. كل أولئك مظاهرُ لتزكيتها التزكية المحمودة المندوب إليها في قوله تعالى:قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى 24 .مظاهر لكسرها وثَنْيِها من غُلُوائها وكبريائها لكيلا تكون من الذين يزكون أنفسهم بالرياء ولا من المستكبرين الذين لا يحبهم الله. 25 إن المعلم المربي المتصدي للتزكية ينبغي له أن يعي أن أول ما بدأ به المربي المتلقي الوحي أن شد عليه ثيابه ليقوم الليل مصليا قارئا ذاكرا مستغفرا متبتلا عابدا. ثالث ما نزل من السور قوله تعالى:يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا. نصفه أو انقص منه قليلا. أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا.قام صلى الله عليه وسلم، وقام أصحابه السنوات الطويلة وبقي قيام الليل بالنوافل والتلاوة والدعاء والخشوع مدخلا ضروريا إلى عالم التزكي والتطهر.ومنهنا تبدأ التزكية، من هنا تبدأ التوبة الانقلابية) 26 .

1. التزكية لا تعني الهروب من المجتمع

كان فيما مضى من تاريخنا ينزوي طلاب التزكية الروحية في خلوة، ويلبسون مرقعات تستر عن الناس سمو مطلبهم وارتفاع همتهم. هذا الصنيع لا يتلاءم وتحديات عصرنا ولا مع مقاصد شريعتنا، إذ المتزكي حري به الآن أن يجهر بإيمانه، ويخالط الناس في ميادين السعي اليومي.
إن التزكية لا تعني التفرغ للعبادة بالليل والنهار، بل تعني أن يكون ليلُ المسلم ليلَ المتبتلين ونهارهُ نهارَ المجتهدين العاملين، سعيا في حوائجه الدنيوية مثل الكسب، وحوائجه الأخروية، وإلا عد هاربا من الدنيا، لكونه حاد عن المنهاج القرآني النبوي إلى الفضيلة الفردية، و“المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير” 27 كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2.الشهادة على النفس بالتزكية

إن المتزكي المنقطع عن التوجيه، الراغبَ في الخلاص الفردي دون الجماعي، العاشقَ للانزواء دون المخالطة، يوشك أن يغتر بعمله وصلاته وتهجده وسمته الإسلامي، وقد يرى الناس جميعا هلكى ضالين وهو الناجي المهتدي.وهذه هي التزكية المنهي عنها في قوله تعالى:فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى 28 . قال أبو حيان:(فلا تزكوا أنفسكم): أي لا تنسبوها إلى زكاء الأعمال والطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضِموها، فقد علم الله منكم الزكي والتقي قبل إخراجكم من صلب آدم، وقبل إخراجكم من بطون أمهاتكم…وقيل: المعنى لا يزكي بعضكم بعضاً تزكية السمعة أو المدح للدنيا، أو تزكية بالقطع. وأما التزكية لإثبات الحقوق فجائزة للضرورة) 29 .كما أنه لا يجوز شرعا أن يرشح أحد نفسه لمنصب، لأنه من تزكية النفس التي نهينا عنها في القرآن، فعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم“يا عبدالرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكّلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها” 30 .

خامسا: منهاج القرآن في ما ينبغي تعليمه للناس

1. تحصيل العلم النافع

إن العمر من الإنسان قصير، فوجب صرفه فيما يعم به النفع، ويصح به التقرب إلى الله عز وجل، لا إذهاب الأعمار في درك علوم وهناك ما هو أولى منها، أو صرف الهمة في حل مقفلات الألفاظ، وشرح عبارات المختصرات التي أشكل فهمها حتى على أصحابها.قال الغزالي للذي سأله عما يجب على مريد طريق الحق جل وعلا:تحصيل علم الشريعة بقدر ما يعمل بأوامر الله ويقف على نواهيه، ولا يجب عليه من علم الشريعة سوى ذلك، وأما غير علم الشريعة فيمكنه أن يتعلم القدر الذي به خلاصه ونجاته) 31 .لابد من تبيُّن زغْل العلم والطلب)“، ما يجب معرفته وما يجب تجاوزه، وما لا يمكن غض الطرف عنه وتركه وراء وراء من منقول ومعقول، مختصرين بذلك الطريق على ملتمسي العلم.
ينبغي الإيقان بأن العلم ليس بكثرة المسائل والروايات، إنما العلم نور يضعه الله في القلب، ويهدي به الله من يشاء من عباده، كما قال مالك بن أنس.
يجدر بنا سلوك سبيل العلم الداعي إلى مخالطة الناس والصبر على أذاهم، لا العلم الداعي إلى الانزواء والتفرغ المميت للقلب.
يحسن بنا الرجوع إلى تراث علمائنا الأقدمين شرط أن يكون النظر في ما تركوه انتقائيا ومنتخلا ما يصلح لعصرنا وأهلينا؛ إذ فهوم هؤلاء العلماء السابقين للنصوص الشرعية هي خاضعة لزمانهم ومكانهم وأحوالهم وعوائدهم وطرائق الحكم في عهودهم.وينبغي إتاحة الفرصة لفهوم أهل عصرنا ممن اتقوا الله وعلمهم الله تعالى، إذ فضل الله واسع لا يحجر، ولله در من قال:

قل لمن لا يرى المعاصر شيئا***ويرى للأوائل الــتقديما
إن ذاك القديم كان حـديثا***وسيبقى هذا الحديث قديم

نعم إن تراث من سبقونا بعلم وإيمان ينبغي الاستفادة منه، شرط ألا يكون حاجزا منيعا عن تبصر نصوص الشريعة بعين الداعي المربي الواعظ الشفوق على هذه الأمة. قال القنوجي:القول الصحيح الظاهر: كم ترك الأول للآخر” فإنما يستجاد الشيء ويسترذل لجودته ورداءته في ذاته لا لقدمه وحدوثه) 32 .ورحم الله ابن مالك إذ صدر كتابه “تسهيل الفوائد” بقوله:إذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين) 33 .
ما يضر إن تبينا ما أملته ضرورة الساعة يومئذ على علماء المسلمين، وإن تحررنا من التبعية العمياء لهم. ما يضر إن لم نقس زماننا بزمانهم، ومكاننا وإمكاننا.إن من الاجتهاد أن ينظر العلماء، ويفكر العلماء، ويجتهد العلماء، ويقتحم العلماء، ويجمع العلماء ما فرقته الفتن من شمل الإسلام، ويوجد العلماء عالمَ المسجد:واعظَ الحلق ومربيَ الناشئة، الراسخَ القدم في علوم الشريعة، العالمَ بعلوم عصره ومقتضيات واقعه، الحاضرَ في مجالس الناس ومنتدياتهم، الزاهدَ في الدنيا، الفقيهَ في مصالح الخلق، المريدَ بفقهه وجه الله تعالى 34 .
كان مالك بن أنس عظيم المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يشهد الصلوات ويعود المرضى ويصلي على الجنائز، وكان أعرف الناس بحياة الناس، محترما لأعرافهم حتى جعل من بين أصوله عمل أهل المدينة، كان عالما بواقعه، يعرف متى يجهر بالحق ويقف ضد الظلم. وعاش أبو حنيفة عصره، وتعاطى للتجارة، ومن وصيته إلى أبي يوسف:إذا دخلت البصرة واستقبلك الناس وزاروك وعرفوا حقك، فأنزل كل رجل منزلته، وأكرم أهل الشرف، وعظم أهل العلم، ووقر الشيوخ، ولاطف الأحداث، وتقرب من العامة، ودار الفجار، واصحب الأخيار، ولا تتهاون بسلطان).أكره على تولي القضاء فما تولاه.وكان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء : الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام، كان له مذهب قديم بالعراق، وجديد بمصر، وهذا صنيع من فقه واقعه وأهل واقعه.وكان يُضرَب المثل بالإمام أحمد بن حنبل في اتباع السنة واجتناب البدعة، امتحن في مسألة خلق القرآن وضرب بالسياط.قال الغزالي عن هؤلاء: فالفقهاء الذين هم زعماء الفقه وقادة الخلق أعني الذين كثر أتباعهم في المذاهب خمسة: الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة وسفيان الثوري رحمهم الله تعالى، وكل واحد منهم كان عابدا وزاهدا وعالما بعلوم الآخرة وفقيها في مصالح الخلق في الدنيا ومريدا بفقهه وجه الله تعالى.فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء العصر من جملتها على خصلة واحدة هي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه، لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة، وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة) 35 .

2. تعلم ما لا يسع المرءَ جهلُه

لقد ذكر علماؤنا أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ، وهو ما لا يسع الإنسان جهلُه، إذ يجب على كل مؤمن أن يأخذ من العلم ما به يقيم فرضه وسنته، وبعدُ يتوسع في فقه الشريعة ما أمكنه وهو الفرض الكفائي، إذا قام به قائم سقط فرضه عن الباقين، لقوله تعالى:فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون 36 .

3.تعليم الناس علم الخشية

المذكرَ بأن الموعد الله والدارُ الآخرة، إذ العلم الذي لا يتطلع به القلب إلى النبإ العظيم خداج، والمعرفة التي لا تفتح البصيرة للقاء الله شوهاء،إنما يخشى الله من عباده العلماء.قال القرطبييعني بالعلماء الذين يخافون قدرته، فمن علم أنه عز وجل قدير أيقن بمعاقبته على المعصية كما روي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء) قال:الذين علموا أن الله على كل شيء قدير. وقال الربيع بن أنس:من لم يخش الله تعالى فليس بعالم، وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل، وعن ابن مسعود: كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلا، وقيل لسعد بن إبراهيم:من أفقه أهل المدينة قال: أتقاهم لربه عز وجل، وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل، وعن علي رضي الله عنه قال:إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة ولا تدبر فيها، وأسند الدارمي أبو محمد عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن فضل العالم على العابد كفضلي على أدناهم) ثم تلا هذه الآية: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) إن الله وملائكته وأهل سماواته وأهل أرضيه والنونَ في البحر يصلون على الذين يعلمون الناس الخير) 37 .

4. تعليم الناس العلم المنشئ للعمل لا المنشئ للجدل.

فقد روي عن مالك بن أنس أنه كان يكره العلم فيما ليس تحته عمل. وروي أن رجلاً سأل عمر عن قوله: (وأباً) فلما رآهم يقولون أقبلَ عليهم بالدرّة. زجر عمر هذا الرجل لتشويشه على العامة بالسؤال عن أشياء لا تعلق لها بالعمل.

5.تعليم الناس العلم الميسِّر على الناس لا العلم المنفر لهم

لقوله تعالى:ولكن كونوا ربانيين بماكنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون 38 .
قال القرطبي:والربانيون واحدهم ربانى منسوب إلى الرب، والربانى الذي يربى الناس بصغار العلم قبل كباره، وكأنه يقتدى بالرب سبحانه في تيسير الأمور، وروى معناه عن ابن عباس …معنى الربانى العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم … والربانى الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة. 39 .

سادسا:التزكية والتعليم محتاجان إلى المربي المعلم

وقديما قالوا: لاَ تَأْخُذِ العِلْمَ من صَحَفِيٍّ ولا القرآن من مُصْحَفِيٍّ. والصَّحَفي هو الذي أخذ العلم من الصحف لاعن الشيوخ مشافهة، والمُصحفي هو الذي حفظ القرآن من المصحف، ولم يعرضه على أهل القرآن أهل الله وخاصته. ورحم الله من قال:

مَنْ يأخذِ العِلمَ عن شيخٍ مشافهةً***يَكُنْ عَنِ الزَّيْغِ وَالتَّصْحِيفِ فِي حَرَمِ

وَمَنْ يَكُنْ آخِذاً لِلْعِلْمِ مِنْ صُحُف***فَعِلْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ كَالعَــــدَمِ.

قال أبو حبان:

يَظُنُّ الغُمْرُ أن الكُتْبَ تهدي***أخا فَهْمٍ لإدراك العـلـوم

وَمَا يَدْري الْجَهُولُ بِأَنَّ فيها***غَوامِضَ حَيَّرَت عَقْـلَ الفَهِيم

إِذَا رُمْت الْعُلُومَ بِغَيْرِ شَيْـخٍ***ضَلَلْتَ عنِ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيمِ

وَتَلْتَبِسُ الأمورُ عليك حَتَّى***تكونَ أَضَلَّ مِنْ تُوما الْحَكِيم 40

المصادر والمراجع

-صحيح البخاري مع فتح الباري لابن حجر السقلاني.ترتيب فؤاد عبد الباقي.تصحيح محب الدين الخطيب.دار الريان للتراث .ط:1.(1407/1981).
-صحيح مسلم (261هـ) بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.دار الحديث مطبعة دار إحياء الكتب العريبة.
-سنن أبي داود تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد دار الفكر.
-جامع البيان في تأويل آي القرآن لمحمد بن جرير الطبري (310). دار الكتب العلمية بيروت. ط:1 (1402/1992).
-الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي (671.) دار الكتب العلمية بيروت.ط:1 (1408/1988.).
-المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (502هـ).تحقيق وضبط محمد سيد كيلاني. دار المعرفة.بيروت.
-أبجد العلوم للقنوجي .دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط:1، 1420-1999.
– البحر المحيط في التفسير لأبي حيان الأندلسي الغرناطي (ت 754هـ). دار الفكر 1412/1992 م.
-الرسالة العلمية للأستاذ عبد السلام ياسين.مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ط:1 سنة 2001.
-الإحسان للأستاذ عبد السلام ياسين ، مطبوعات الأفق الدار البيضاء ، ط:1، 1998.
-محنة العقل المسلم للأستاذ عبد السلام ياسين 1994.


[1] من الآية 104 من سورة التوبة.
[2] الآية 3 من سورة عبس.
[3] من الآية21 من سورة النور.
[4] من الآية 150 من سورة البقرة .
[5] البحر المحيط 2/47.
[6] المفردات في غريب القرآن/علم
[7] الآية 2 من سورة الجمعة
[8] البحر المحيط 1/625
[9] البحر المحيط3/416
[10] سنن أبي داود باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة
[11] الآيتان 29و30 من سورة الأحقاف
[12] صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، رقم 5050
[13] صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، رقم 236.
[14] محنة العقل المسلم ص 29
[15] سورة التوبة الآية 6
[16] البحر المحيط 1/627.
[17] جامع البيان في تأويل آي القرآن 2/40
[18] البقرة 129
[19] البقرة 151
[20] آل عمران 164
[21] الجمعة /2
[22] البحر المحيط 2/47.
[23] البقرة 281.
[24] سورة الأعلى، الآيتان: 14-15
[25] ينظر كتاب “الإحسان” للأستاذ عبد السلام ياسين1/485
[26] ينظر “محنة العقل المسلم” ص 36
[27] صحيح مسلم كتاب القدر باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، رقم الحديث : 2664
[28] النجم 31
[29] البحر المحيط 10/21-22.
[30] صحيح مسلم كتاب الإمارة باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، رقم الحديث 1652.
[31] خلاصة التصانيف/109
[32] أبجد العلوم 1/134.
[33] المساعد على تسهيل الفوائد 1/3.
[34] ينظر الرسالة العلمية للأستاذ عبد السلام ياسين ص: 20-22
[35] إحياء علوم الدين 1/31.
[36] من الآية 123 من سورة التوبة
[37] الجامع لأحكام القرآن 14/219-220
[38] آل عمران78
[39] الجامع لأحكام القرآن 4/79
[40] كان تُوما يدعي الطب، ويعتقد في نفسه أنه طبيب حكيم، مع أنه لم يقرأ الطب على أحد.

أضف تعليقك