تجديد مفهوم جماعة المسلمين

دلالات مفهوم جماعة المسلمين عند الإمام المجدد عبدالسلام ياسين ــ رحمه الله ــ (3/5)

تجديد المفهوم:

التجديد المنهاجي لمفهوم جماعة المسلمين يلمس عناصرها وصفاتها، كما يلمس تجديد وظيفتها ومسؤوليتها.

بعد التشتت للجماعة النموذجية على مر العصور، ظهرت اجتهادات العلماء في مسألة الجماعة المطلوب لزومها المنهي مفارقتها. ظهرت عدة تعاريف لعلماء المسلمين حاولوا إبراز صفات جماعة المسلمين وعناصرها الأساسية، منهم أبو مسعود الأنصاري، وابن مسعود رضي الله عنه، والإمام الحسين بن علي رضي الله عنه، والطبري، وغيرهم.. واجتهد من اجتهد في الأخير لإعطاء مفهوم جامع.

وتجتهد النظرية المنهاجية لزمانها بعد قرون خلت، وتقترح تجديد عناصر المفهوم بالاعتماد على الاجتهادات السابقة فتضيف فريضة الجهاد باعتبارها صفة لازمة لجماعة المسلمين، فالجماعة تتألف من العلماء والسواد الأعظم تبع لهم، من الخاصة في المركز ومن العامة على الهامش، لكن أي العلماء القادة للعامة هؤلاء؟ إنهم العلماء الجامعون لصفتي الاجتهاد والجهاد. فتضيف عنصر الجهاد لصفة الاجتهاد في المفهوم الذي قدمه الشاطبي رحمه الله، وتجعله عنصرا ضروريا، فجماعة المسلمين ” جماعة يقودها علماء مجتهدون ومجاهدون جامعون مجندون كما كان الأنصار جامعين مجندين)“([10] ) وانسجاما مع هذا المفهوم فإن مجامع العلم ومجالس العلماء وهيآتها المجتمعة على العلم والقعود عن الجهاد، لا تمثل الجماعة ولا نواتها لأنها أسقطت عنصر الجهاد الشرط الضروري.

وبالنظر في هذا المفهوم المتجدد يظهر وجه آخر من وجوه التجديد في النظرية المنهاجية للفكر الإسلامي ولاجتهاد العلماء الذين سبقوا. فهي لم تنكر اجتهاد العلماء مثل الشاطبي رحمه الله، وإنما بنت اجتهادها عليه لتؤسس لمفهوم جديد يناسب متطلبات الحاضر، ويختلف عن عصر العلماء الذين اجتهدوا لعصورهم، رحم الله الجميع.

هذا عن العناصر والصفات اللازمة للمفهوم، أما عن الوظيفة والمسؤولية فلها امتدادان، امتداد القوة والسلطة ويتمثل في الدولة، وامتداد الرحمة والاحتضان ويتمثل في الدعوة. وكأن المفهوم يمتلك يدين، “دولة القرآن وهي اليد اليسرى لجماعة المسلمين، أما اليد اليمنى يد الدعوة.)“([11] )

وظيفة مزدوجة إيمانية سياسية، يديها على الدعوة والدولة معا، فإن كانت يد الدولة اليسرى مهمتها تدبير السلطة والادارة العامة للمسلمين، فإن اليد اليمنى مهمتها الدعوة والإرشاد. لا انفصام في الأمر والاهتمام، إنما يقتضي التدبير توزيع المهام والاشراف، حيث “يتولى المراقبة والمحاسبة أجهزة الدولة المختصة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشعبيان المنظمان على يد جماعة المسلمين.)” ([12] )

وظيفة الجماعة على المستوى الفردي، تربية الأعضاء الوافدين تربية إيمانية جهادية، أساسها وعمادها التخلق بخلق القرآن المبثوثة في شعب الإيمان حتى يصبح العضو ضمن جند الله المحسنين المجاهدين ليعيش الولاية الجامعة، ” ولاية المحبة، والنصرة، والتعاون على البر والتقوى، والتحزب لله، والبراءة ممن يحادون الله ورسوله.)“([13] ) بقدر صدق واستعداد الوافدين على الجماعة وبقدر أدائها لمهمة التربية الجهادية للأفراد وتأليف جند الله يكتمل بناء الأمة، وعلى أساسها يتوقف نجاح مشروع نهضتها لتشييد العمران الأخوي.

أما وظيفتها على المستوى الجماعي، تثبيت أركان المجتمع الإسلامي على أساس المحبة والأخوة الإيمانية، وجمع شمل الأمة قبل تحقيق العالمية، وحماية وحدتها بعد تحقيق العالمية. فهي القاعدة الاجتماعية الملائمة لإقامة مجتمع إيماني أخوي، وعليها يقوم الحكم العدلي الشوري.

ومن وظائفها المجتمعية واجب نشر المعروف والعمل على حصر المنكر، لأن “جماعة المسلمين عليهم يدور واجب الأمر والنهي والجمع، جمع شمل الأمة. هم الورثة المسؤولون عن الرسالة النبوية وحفظها وتبليغها.)” ([14] ) سواء قبل قيام الدولة وبعد وجودها. لكن قبل الشروع في الأمر والنهي، تقوم بتحديد المعروف والمنكر تحديدا دقيقا، وتعليمهما للوافدين عليها حتى لا يختلط عليهم الأمر.

ولها كذلك مهمة جليلة، مهمة الاجتهاد في القضايا المستجدة في عالمنا المعاصر، وتعدد مجالاتها وتداخلها، وهي مهمة لا يمكن أن تسند إلى الفرد مهما بلغ علمه، لأن “مسؤولية الاجتهاد واستنباط أحكام شرعية لهذا الزمان، ولمصالح الأمة في هذا الزمان وهذه الظروف، لا يمكن أن يتحملها إلا جماعة المسلمين.)” ([15] ) اجتهاد جماعي شوري بين علماء الأمة .

فقه دعوي للمفهوم:

إن كانت جماعة المسلمين لها خصائص الوحدة التي تحققت في الجماعة الأولى، وتغيب في التنظيمات الإسلامية الحالية، فإن فقه الدعوة، والنظرة المنهاجية التجديدية تدعو إلى واقعية المفهوم لا الانحباس على الحرفية. وانطلاقا من هذا الفقه الكلي قسم الفكر المنهاجي مفهوم جماعة المسلمين إلى مرحلتين، الأولى قطرية والثانية عالمية.

المرحلة الأولى: تأسيس جماعة المسلمين القطرية، المتمثلة في التنظيمات الإسلامية داخل القطر، فهي تحقق الهجرة والنصرة، لكنها لا تستغني بنفسها عن مفهومها العالمي المطلوب، والذي تأسس في الجماعة الأولى حيث تجسد التوحد الجماعي والقيادي والمكاني واستدعى الأمر ضرورة البيعة، أما هذه التنظيمات القطرية “هي تكوين جماعي يقرب من المطلوب شرعا.)“([16]) فهي في هذه المرحلة تقريب للمطلوب الشرعي لأن المرحلة تتسم بالخلاف والاختلاف وعدم التوحد، إلا أنها تعمل على توحيد الأمة وتأسيس الجماعة العالمية وتضعها ضمن غاياتها، وذلك بعد تأسيس الرابطة القطرية التي تقوم بإنشاء الإمارة القطرية ثم الاندماج في إمارات قطرية أخرى، لتشكل بعدها الجماعة الاسلامية المرجوة تحت قيادة موحدة في البلاد الإسلامية.

المرحلة الثانية: تأسيس جماعة المسلمين العالمية وهي المقصد الشرعي المطلوب، تتحقق فيها شروط الوحدة، كما تحققت في النموذج الأول في العهد النبوي، واستمرت في العهد الراشدي، وقد تجسدت فيها البيعة الشرعية المنجية. أما “جماعة المسلمين اليوم وغدا لا تزال في طور التكوين وليداً ناشئا.)“([17]) هي في طور البناء، ولا تقوم قائمة الجماعة العالمية إلا باجتياز المرحلة القطرية بنجاح، وتجسيد روابطها الولائية كما تجسدت في النموذج الأول.

هذا المفهوم بني على نظرة واقعية وفقه يراعي ضرورة المرحلية والتدرج في البناء، هذه الضرورة لم تحتج لها الجماعة الأولى في تأليفها حيث نشأت “نشأة فطرية لم ينطرح معها مشكل تأليف الجماعة وتنظيمها.. أما في عصرنا فتأليف جماعة المسلمين القطرية ثم العالمية، شيئا فشيئا، ومرحلة مرحلة كلما تحررت أقطار الإسلام…لابد من البدء بالإمارات القطرية حتى تتحرر دار الإسلام تباعا إن شاء الله..) ” ([18] )

إن المرحلية في تأسيس جماعة المسلمين فرضها منطق البناء، كما فرضتها ضرورة الواقع المتمزق الذي أنتجته الأحداث التاريخية الكبرى، فمنطق البناء يستدعي أن يكون من أعلى لا من أسفل، من القطر أولا ثم العالمية ثانيا، والضرورة الواقعية تفرض أن تراعى أولا سياسة الحكم القطرية التي تعمل على قطع أوصال التحركات الإسلامية العالمية، وثانيا الاختلاف الشديد بين المكونات الإسلامية العالمية فضلا عن الاختلاف داخل القطر، لذا فإن “أنسب إطار للتنظيم هو القطر كما صاغته الفتن التاريخية وكما تحكمه الدويلات القومية. ذلك مرحلة حتى تتحرر الأقطار، واحدا بعد الآخر، وتلتقي الدول الإسلامية المحررة لتعيد وحدة المسلمين بتوحيد التنظيمات القطرية في كيان عالمي.) “([19] ) هذا الكيان هو الجماعة الإسلامية المرجوة، تحت ظل الحكم الشوري.

يتضح من النظرة الفقهية الواقعية لتحقيق المفهوم المطلوب في دار الإسلام، العاملة تحت إمرة وقيادة موحدة، أن جماعة المسلمين الموحدة تمثل هدفا مستقبليا بعيدا يجب أن تتظافر جهود جميع العاملين للإسلام على تحقيقه.

كما يتضح أن سنة التدرج في تحقيق مصالح المسلمين ومقاصدهم قاعدة من أهم القواعد الشرعية في إعادة بناء الأمة على أسس متينة وأركان صلبة مستقيمة. إنها نظرة فقهية دعوية عميقة في فهم تنزيل الأحكام الشرعية . إنه الفقه الكلي للنصوص الشرعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10 ) – جماعة المسلمين ورابطتها…….. ص: 78.

(11 ) – سنة الله…………ص:308

(12 ) – في الاقتصاد، عبدالسلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1. 1995. ص: 57

(13 ) – حوار الماضي والمستقبل، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1. 1997م. ص: 86.

(14 ) – المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، عبدالسلام ياسين، ط2، 1989م. ص: 405.

(15 ) – نظرات في الفقه والتاريخ، عبدالسلام ياسين، الشركة الأوروبية اللبنانية، بيروت، 1990م, ص: 74

(16 ) – العدل الإسلاميون والحكم…… ص: 250.

(17 ) – مقدمات في المنهاج، عبدالسلام ياسين، دار البشير للثقافة والعلوم الإنسانية، طنطا، ط2، 1995 ص:32

(18 ) – المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا. ص: 67.

(19 ) – نفسه……… ص: 25.

أضف تعليقك