دلالات مفهوم جماعةالمسلمين عندالإمام ياسين(2/5) تأسيس المفهوم

نظرية المنهاج النبوي أسست المفهوم على أصول شرعية، أولها القرآن الكريم ونموذج النبوة والنموذج الراشد. لم تضع بين دلالة المفهوم وبين الأصول الشرعية حاجز الاجتهادات الفقهية التاريخية، فكثيرا ما اعتبر العلماء مفهوم جماعة المسلمين هم أهل الحل والعقد، لكن النظرية المنهاجية قررت أن “لا تجعل عبارة “أهل الحل والعقد” التي نقرأها في تاريخ المسلمين ستارا بيننا وبين الكتاب والسنة.”) ([3] ) ومن هذا القرار انطلقت نحو أصول الشرع المعتبرة عند المسلمين على رأسها:

– المفهوم القرآني:

إن مفهوم الجماعة لمن المفاهيم التي غابت في جل مراحل تاريخ المسلمين، إما بسبب الانقلاب على الحكم الشوري وغياب عناصر الدعوة النبوية والراشدة وغياب نواتها الدعوية، وإما بسبب عدم تداولها في القرآن الكريم. لكن رغم عدم تداولها فقد كان حضور المفهوم بارزا ضمن مصطلحاته، كما أن “روح جماعة المسلمين وبواعثها وأخلاقها وفضائلها وقوتها لمما ينطق به القرآن وتنطق به السنة..”)([4] )

جاء في القرآن الكريم الأمر بوجود أمة من المسلمين حيث قال تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(5) . مفهوم الأمة من المفاهيم القرآنية التي أسس عليها الفكر المنهاجي مفهوم الجماعة، “فجماعة المسلمين هم أمة راشدة مسؤولة مؤهلة لحمل عبء الرسالة والتبليغ. الأمة لغة: كل جماعة يجمعهم أمر واحد، أو دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد.”)([6] ). الجماعة في السنة تحمل نفس خصائص الأمة، وتقوم بوظيفتها الدعوية في الأمر والنهي، فقد أمر الله تعالى أن تكون الأمة من المسلمين، وتكون من الخاصة لا من العامة. هذه الجماعة / الأمة من خصائصها الوحدة وتحمل مسؤولية رسالة الدعوة بالأمر والنهي، ومن هذا الاستدعاء لمفهوم الأمة القرآني يكون لمفهوم جماعة المسلمين أساس قرآني، فالأمة من المفاهيم القرآنية الأساسية، التي تم الالحاح عليها وعلى ضرورة وجودها في القرآن أكثر من مرة، أمة من خاصة المسلمين لا من عامتهم، هي جماعة المسلمين.

– النموذج النبوي:

يتأسس مفهوم الجماعة كذلك على النموذج النبوي. إن التفكير المنهاجي يستدعي دائما النموذج النبوي لتأسيس المفاهيم اقتباسا لغويا، وعملا بمنهاج النبوة لفحص تاريخ المسلمين ومعالجة حاضرهم وبناء مستقبلهم. وفي هذا الصدد يستحضر جماعة المسلمين الأولى، ويحرص حرصا شديدا على تأسيس هذا المفهوم على النموذج النبوي، فقد احتضن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم  الصحابة رضي الله عنهم ورباهم على الخصال القرآنية والشعب الإيمانية حتى تحققت فيهم معاني الأخوة، ثم “التفت جماعة المسلمين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفافا، المهاجرون والأنصار نواة الجماعة ثم من حولهم من الأعراب، وحدة قيادة، ووحدة مكان..”) ([7] ) هذه هي جماعة المسلمين الأولى أسسها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، ويؤسس عليها الفكر المنهاجي مفهوم جماعة المسلمين المطلوبة، كما يستحضر مكوناتها الأساسية، فالعنصر الأهم فيها النواة الطليعة التي تكونت من المهاجرين والأنصار تحملوا مسؤولية الاستجابة للخطاب القرآني وتنفيذه، فهي “الطليعة باختيارهم الصريح الفصيح هم نواة جماعة المسلمين، ومحركوها، ومحيوها، وخادموها، وقادتها. وبصدقهم تصدق الجماهير المسلمة، وعلى صوتهم تصحو، وفي كنف ولايتهم تجد الثقة، وتجاهد بثقة، وتشارك.”)([8] ) ومن عناصرها الهامة وجود قيادة موحدة (رسول الله صلى الله عليه وسلم) ومكان موحد (المدينة). أما السواد والعامة (الأعراب) فهم الذين عاشوا على هامش الجماعة، ولم يتحملوا مسؤوليتها.

ومن هذا الاستدعاء للنموذج النبوي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون لمفهوم جماعة المسلمين أساس ثان بعد الأساس القرآني.

نستخلص من هذه الالتفاتة التاريخية للفترة النبوية أن جماعة المسلمين جسم عناصره الأساسية متماسكة وصفاته متلائمة. أولها: النواة المبايعة، الجامعة والمجتمعة التي تحققت فيها الهجرة والنصرة. ثانيها: القيادة الموحدة في مشروعها وفي تراحمها وشدتها. ثالثها: المكان الموحد الذي يأوي النواة والقيادة والعامة من المسلمين. ورابعها: هامش الجماعة وهم توابع النواة من المسلمين وعامتهم الذين لم تتحقق فيهم صفتا الهجرة والنصرة، هم توابع لنواتها وقيادتها، يعيشون على أطراف الجماعة.

– النموذج الراشدي:

بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم خلف وراءه جماعة / أمة راشدة اكتملت صفاتها القرآنية، وتوحدت مكوناتها الأساسية، وانتشرت رسالتها الدعوية، فحافظ الخلفاء الراشدون على النموذج النبوي الذي أسسه في عهده، فقد ظل المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه مكونين نواة الجماعة، ومجتمعين على القيادة الموحدة وفي المكان الواحد، أما في عهد عمر t فقد كان له اجتهاد خاص للحفاظ على الجماعة ووحدتها التي تأسست في العهد الأول. فقد حاصر نواتها داخل المدينة، لأن الأهمية القصوى للشيء تكمن في مركزه ونواته. فالحفاظ على نواة الجماعة، حفاظ على وحدة الأمة وعصمتها من التشتت والتفرق والضياع، والرهان الأكبر هو “إبقاء جماعة المسلمين حاملة الدعوة. “) ([9]) أركانها قوية، ونواتها صلبة محمية، تكون مصدر إشعاع دعوي في العاصمة الإسلامية، تشع بإيمانها وعلمها وخلقها على كل أرجاء بلاد الإسلام.

ومن هذا الاستدعاء للنموذج الراشدي يكون مفهوم جماعة المسلمين له أساس ثالث في العهد الراشدي بعد النموذج النبوي، وبهذا الأساس تكتمل ثلاثة أسس لمفهوم جماعة المسلمين، الأساس القرآني، والأساس النبوي، والأساس الراشدي.

وبعد أن وقع الانكسار في تاريخ المسلمين، المتمثل في فساد الحكم وانتقاله من نبوة إلى خلافة راشدة إلى ملك عاض ثم جبري، انكسرت الوحدة وتشتت نواة جماعة المسلمين في بقاع الأرض، وتناحر السواد، وتعددت القيادات، وتجزأ المكان، وظهرت جماعات متعددة تطالب بالوحدة التي كانت عليها الجماعة الأولى، منها التي عارضت الحكم العاض والجبري ومنها التي كانت بجانب الحكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 3 ) – سنة الله، عبدالسلام ياسين، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط 1، 2005م .ص: 310.

( 4 ) – حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، عبدالسلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1994. ص: 83

( 5 ) – سورة آل عمران، آية: 104

( 6 ) – العدل الإسلاميون والحكم، عبدالسلام ياسين، دار الآفاق، لبنان، ط3، 2001 م. ص: 221

( 7 ) – جماعة المسلمين ورابطتها، عبدالسلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة:1، 2011م. ص: 73.

( 8 ) – حوار مع الفضلاء الديمقراطيين……… ص: 98

( 9 ) – العدل الإسلاميون والحكم……… ص: 95.

أضف تعليقك