الاختلاف في فكر عبد السلام ياسين..الداء والعلّة

الاختلاف في فكر عبد السلام ياسين..الداء والعلّة

بقلم د. مصطفى عطية جمعة جودة: “الكويت” 

بالنظر إلى فكر العالم الشيخ عبد السلام ياسين، نجد أن قضية الاختلاف كانت حاضرة بشكل واضح في منظومته الفكرية المكتملة. وأساس هذه المنظومة أنه ينطلق من رؤية جامعة، أساسها وحدة الأمة، لا تمزيقها، والنظر في ما يمكن أن تتفق عليه جموع العلماء والدعاة والنهضويين، لا فيما يؤدي إلى اختلافهم .

الاختلاف من أجل الوحدة :

    إذا كان هناك اختلاف فهو علامة على الحيوية الفكرية، وثراء الشخصية، وعمقها، وهو كما أسلفنا لازمة للمجتمع البشري، ولكن شتان ما بين اختلاف يؤدي للبلبة والتشتت ويمنع العمل، واختلاف يؤدي إلى الإحاطة بجوانب القضية ومن ثم العمل في ضوء مراعاة كافة الرؤى والأبعاد للقضية، نقول العمل لا النظر، فما أشقى أمة، جعلت الجدل ديدنها، ومنعها من الإتقان بل من العمل ذاته.

   فمن الأوهام الشائعة في الفكر العربي المعاصر، أن هناك وحدة للأمة، أو ما يسمى الوحدة العربية، وهي في منظور “ياسين” وهم كبير، فمما “يؤلمنا أشد الألم ما فيه الأمة من تجزئة وتشتت، لكن العواطف المتأسفةَ لاتفيد، ولايفيد أن نندفع بوخز الضمير، وداعي الواجب الشرعي في الوحدة، إلى التسرع في بناء وهم وحدوي سرعان ما ينصدع عند أول صدمة “ 1

    فالقضية في مفهوم الوحدة الذي راج كثيرا خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين المنصرم، هو بناء مفهوم وحدوي للأمة على أساس المفهوم الغربي القومي الذي يعود إلى الأصول الإثنية أو اللغوية وما شابه، بالرغم من اعتراف القوميين العرب أن الشخصية العربية وسلوكياتها وتصوراتها “مشتقة أساسا  من الحضارة الإسلامية التي هيمنت على العالم العربي قرونا طويلة من الزمان،” 2وكانت الأزمة لدى الفكر القومي العربي الحديث، أنهم شغلوا أنفسهم بجميع المكونات المادية والاجتماعية والثقافية للشخصية العربية وأنماط الإنتاج الاقتصادي، والتاريخ المشترك، وأعلنوا في نهاية الأمر، وبعد تغليب الآراء، وبالطبع التوجهات السياسية التي تبنتها الأنظمة أن مفهومهم ” للشخصية القومية يرتكز على المفهوم الاشتراكي العلمي للشخصية الإنسانية، وخصوصا ما تعلق بربطه لسماتها بالتغيرات التي تلحق بها وبالتكوين الاقتصادي والاجتماعي من ناحية وبالتاريخ الاجتماعي لكل شعب من ناحية أخرى “. 3 وتناسوا- بالتالي – أن الدين هو الأساس الجامع لهذه الشخصية، فنحن العرب، أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.     

    إن الوهم بأن الأمة العربية بينهما وحدة، إنما هو من قبيل الشعار، المرفوع إبان حقبة ما بعد التحرر من الاحتلال الأجنبي، والواقع أن الكم الهائل من المشكلات الآنية والفروقات السياسية بين العرب أكثر مما بينهم وبين أعدائهم، بالرغم من عظم الروابط التي يمكن قيام الوحدة على أساسها، ونفس الأمر ينصرف إلى الوحدة الإسلامية بين الدول والأقطار المسلمة.

     فشتان بين الأمل الذي داعب القوميين العرب وبين الأمل في وحدة إسلامية؛ تقوم على أساس رابطة الإسلام، بهدف ” عالمية واحدةٌ ممكنة وواجبةٌ في انتظار الإجماع المرتقب نضجه إن شاء الله، وهي عالمية التنسيق والتآزر والدعم وتبادل المعلومات والرأي وتوحيد الأهداف الجزئية وتقريب الشقة “. 4وبالتالي لا تصبح الوحدة مجرد شعار مرفوع، تتم المتاجرة السياسية به، وإنما هدف شامل، لن يتم إلا بوجود حالة كبيرة من الوعي لدى المسلمين، يواكبها تنسيق في العمل، وتآزر في المساعي، على مستوى الأهداف الجزئية، التي تصب في الهدف الشامل، وهو نهضة الأمة ووحدتها، والقضاء على عوامل الشقاق.

    إن الدين مكون أساسي لدى مختلف الشعوب في العالم، ولدى العرب فالدين حاكم، وهو المغيّر لوضعهم منذ القدم، من قبائل متصارعة إلى دولة موحدة، تتغلب على اثنيتها وعصبيتها القبلية، وتتوحد خلف هدف روحاني سام، ترجمته في فتوحات عظيمة، وحضارة زاهرة. ومن خلال الدين، يمكن أن نعالج سائر السمات السلبية في الشخصية العربية المعاصرة، وأيضا لدى شعوب العالم الإسلامي قاطبة، فتأثير الدين متحكم في الفكر والسلوك .

    ففي أعقاب هزيمة يونيو 1967 م، فاضت الكتابات بتحليل الشخصية العربية من وجهة النظر الغربية والصهيونية والعربية، واتفقوا جميعا على سمة ” الفهلوة ” بوصفها دليلا على الاستهانة والاستهتار وعدم الإتقان والزيف السلوكي، والتفرقة بين النظري والعملي، 5 181. لقد تم تشخيص الأزمة، ولكن في العلاج تحدثوا عن علوم الفلسفة والسياسة والقانون والإدارة والاجتماع، ونسوا المكون الإسلامي الأساسي. فظلت النظرة قاصرة، والعلاج مفقودا، فظل الإنسان العربي محافظا على ولائه القبلي / العائلي في المقام الأول، وضعف الانتماء لمفهوم المواطنة، وفقدان الانتماء لمفهوم الأمة الأشمل. 6

    والشيخ عبد السلام ياسين يرى أن العرب هم في طليعة الشعوب الإسلامية، العرب كأمة واحدة، وليسوا أقطارا متفرقة، الأمة العربية بهويتها الإسلامية  المتأصلة، بعيدا عما تروجه القومية ذات البعد العلماني، الذي أدى لمزيد من قطرية الدول العربية، وتمزيق الشعور الإسلامي العالمي. ” فالمسلمون العجم ينتظرون من المسلمين العرب أن يأخذوا زمام النهضة الإسلامية. المسلمون في العالم ينظرون إلى المسلمين العرب نظرة اعتراف بالجميل، ينظرون فيهم إلى أبناء الصحابة المجاهدين. سفهاء العرب المتنكرون للإسلام، المستمسكون بالعصبية الجاهلية، إنما ينفخون في رماد، لأن ركب الإسلام المتيقظ المنبعث أصبح في منطق السياسة العالمية المرشح الوحيد للتقدم بالمسلمين، ولأن المسلمين العرب لا يزالون المرشحين لقيادة هذا الركب بحكم رحمهم بالنبي العربي وتمكنهم من لغة الوحي التي بها شرفوا “. 7

    إنه يؤكد على أن العرب في الطليعة، فهم حملة مشعل الإسلام واللغة العربية، وفيهم من التجانس اللغوي والجغرافي والتاريخي ما يجعلهم قائدين لشعوب الأمة الإسلامية، خاصة أن البعث الإسلامي الجديد بدأ في أقطار العروبة متزامنا مع حركة الإحياء في دول إسلامية غير ناطقة بالعربية، نذكر منها حركة أبي الأعلى المودوي في الهند وباكستان  وحركة حسن البنا في مصر، ثم انتشر إلى سائر أنحاء الأمة الإسلامية، وكأن الأمة متواعدة على النهوض والوعي في زمنية واحدة.

   هذا ويمكننا أن ندرس رؤية عبد السلام ياسين في أبعاد ثلاثة : الداء والعلة، المظهر والعرض، الدواء والحل. ذلك أن أشد ما نكبت به أمتنا في عصرنا هو الاختلاف الذميم، الذي أدى إلى ضبابية الرؤية، وتوعر المسالك، وتخبط خطط النهضة، وشحن النفوس بالبغضاء، والتعصب في غير محل.

     ومادام الأمر بهذا الشكل، فليكن الباحث مثل الطبيب، يشخص الداء، من خلال ما يراه من أعراض ومظاهر، واضحة للعيان، ومن ثم يقترح الحل. وتشخيص الداء لا يأتي من مجرد ذكر المرض، وإنما الغوص في الجراح بمشرط، أملا في تنظيفه، حتى لا يبقى من جراثيمه شيء، ومن ثم يكون العلاج ناجعا بمنع الفيروس المسبب، وتحصين النفس والجماعة من الخطر. وبعبارة أخرى، فإن رؤية عبد السلام ياسين، كانت شاملة، تنطلق مما أمامها من قضايا ومواقف.

أولا : الداء والعلة :

      كثيرة هي مظاهر الاختلاف بين أبناء الأمة المسلمة، وهي مظاهر تشمل العديد من الأمور الفكرية والسلوكية. ودائما ما يكون التشخيص من الخارج، أي يأتي في نسق فرضيات الآخر ( الأوروبي تحديدا )، دون النظر إلى خصوصية النظرة الغربية للتاريخ التي سادت بين الباحثين، وظل البحث عن خصوصية محلية أو ذاتية، من أجل الولوج إلى دراسة واقعنا وتاريخنا من خصوصيته الثقافية، والباحثون يرون أن هذه الخصوصية يمكن أن تصلح للتاريخ، ولكن لا تصلح لواقعنا، ولكن الحقيقة تتجلى بأن قراءة تاريخ الاجتماع الإسلامي تهدف ( أو عليها أن تهدف ) إلى اكتشاف المنطق الداخلي للنسق الإسلامي، بما تعنيه هذه الوجهة من محاولة لتبيان الاتجاهات العامة والخاصة بهذا النسق. 8والمقصود بالنسق المكونات الثقافية والاجتماعية والفكرية للشعب، وتكون القراءة في ضوء هذه المكونات، وليست من منهجية وقناعات مسبقة أو خارجية، تنأى ولا تعطي نتائج واضحة. ذلك أن ” التاريخ يوجد حيثما يوجد الناس، وأن الأحداث التي تؤثر فيهم والتي يشاركون فيها هي التي تعرّف التاريخ الحديث “. 9

   وقد انطلق عبد السلام ياسين من هذه القناعة، فهو وليد الثقافة الإسلامية العريقة، وتصدى من نسقها الخاص للقضايا المعاصرة المطروحة على الساحة، ومنها قضية الاختلاف. حيث غاص في العقل المسلم المعاصر، مبحرا فيه من خلال التاريخ القديم، وكان أول ظاهرة رصدها هي :” ظاهرة التنطّع ” وهي التشدد في الدين ،فهي أمة العدل والاعتدال التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يمينا أو شمالا عن خط الوسط المستقيم، 10فالتدين المنحرف أسبابه نفسية، وأخرى علمية، تظهر في أقوال المرء وأفعاله، وتُلحَظ فيما يصدره من أحكام على الأشخاص والأشياء،وتتفاوت قوة وضعفا، ولكنها على أية حال ذات أثر عميق في تحديد المواقف والاتجاهات. 11 

إنه أساس لكثير من مشكلات المسلمين الحالية. وقد نبه الشيخ عبد السلام ياسين إلى هذه الظاهرة، مؤكدا قدمها،  فالتنطُّع ولد في المسلمين، وظهرت الفِرقُ الغاليةُ لأسباب فكريَّة علميَّة، وأخرى سياسيَّة، وأخرى نفسية. وكلَّ هذه الأسباب نرى في معاصرينا. لا يتنافَ التنطع مع إمكان وجود الإخلاص في محبة اتباع السنة، لكنَّ قصورَ الفهم، وغلَيَان الغضب، وبواعثَ التعصُّب للتجمُّع. 12 فالظاهرة قديمة، وتعود إلى أسباب نفسية وسياسية، توسعت في ذكرها كتب التاريخ، وهذا يفيدنا في القراءة المعمقة للتاريخ الإسلامي، وفي امتداداته في الواقع المعاصر .فالقضية أن التنطع أو التشدد لا يعني أن صاحبه مذموم منبوذ، وإنما يعني أن تصوراته قاصرة محدودة، يغلب عليها ضيق الأفق، وقد يكون شديد الإخلاص والحب للإسلام والسنة المطهرة، ولكنه يشدد فيما لا يقبل التشديد، في نفس الوقت الذي يترخص في أمور أخرى أو لا يقف عندها. فيخلطواضحبينالأولوياتوالثانويات. فمبدأ التفاوت حاكم في المسألة، ويعود لاختلاف الشخصيات، والمؤثرات النفسية والاجتماعية والعلمية المختلفة.

    فأسبابِ التنطع والشذوذ والتطرف ؛حبُّ المرء أو الجماعة الظهورَ والتميزَ، ولو على حساب المروءة والدين، وهذا مرض فاش والعياذ بالله، فإنَّ حُب الرئاسة وغلبَةِ الأقران يوُلِّدُ الأنَفَة والتنكبُّ عن اتباع الحق. 13

    هذا الرأي يأتي، مع ازدياد الجماعات الإسلامية، وتعددها، وتباريها في الالتزام بالقرآن والسنة، والرغبة في التمايز بين الناس، وما يتبع ذلك من ظهور زعامات وأتباع، وما يمكن أن يؤديه الهوى الشخصي من غمط الحق، ناهيك عن التصارع بين هذه الجماعات وأتباعها. نفس الأمر، مع الدعاة والعلماء، فكم من علماء، اشتهروا بين الناس بآراء معينة، وتمسكهم بمذهب وفتاوى فقهية وجدت قبولا لدى العامة، في الوقت الذي هاجموا فيه مخالفيهم من العلماء، وجعلوا من الثانوي محوريا، وحكموا منطلقين من هذه الجزئيات والفرعيات، دون النظر إلى العواقب الاجتماعية، ولا فقه الواقع.

    ولو أبحرنا في الظاهرة تاريخيا، سنجد في القرون التالية – لظهور الإسلام – أن الخلاف اتخذ في المذهب والرأي ووجهة النظر شكلَ الجدَل العَنيف، واستفحل، وكانت حروبا كلامية وغارات. وتَرِثُ هذه الأجيال المتأخرة كتُبَ الخلاف فيما ترث، فتقفُ عند جزئيات الخلاف دون أنت تعلم أن ذلك الخلاف كان ضروريا، وكان رحمة، لأنه تمخض عن زبدة الدين، وتحرر تْمن خلاله العقيدة، وصُفي الحديث، وتأصل الفقه، وحوربت البدع. 14 فالأمر له أبعاد تاريخية،

   تلك – لعمري – من آفات العقل العربي المعاصر أنه درس التاريخ الإسلامي القديم بأنه تاريخ فرق وطبقات ومقالات، تاريخ مجزأ، درس تاريخ الاختلاف في الرأي، وليس تاريخ بناء الرأي. 15

الظاهرة الثانية، المؤدية للاختلاف المذموم، هي “ظاهرةالتقليد“، الذي يعرّف بأنه إتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل، معتقداً للحقيقة فيه، من غير نظر وتأمل في الدليل، فيكون هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه،ا 16 فالظاهرة تستلزم وجود أطراف ثلاثة : المقلِّد، المقلَّد، المقلد فيه. وليست المسألة بالطبع التقليد في الأمور الخيرة الطيبة، فالاتباع أساس في الإسلام، وهو جوهر التأسي بالرسول ( صلى الله عليه وسلم )، ولكن القضية في التقليد الأعمى، الذي يجعل المقلِّد متشبثا بشيخه أو من قلده، وإن ظهر ما يدحض الرأي. وإلى ذلك يشير الشيخ عبد السلام ياسين، حين ذكر أنه “يأتي في زماننا مقلدون امتلأت أردانهم رعونة ونزقا فيتبنون تلك الخصومات ويتشددون ويلعنون فيعيدون إشعال نيران الفتنة بعد أن خمدت، يبعثونها من طي الكتب الراقدة التي كان من حقها أن تخلد إلى الراحة بعد أن أتعب الأمة وأوهاها ما سجلته من صدام تاريخي مؤلم.” 17

    إنها ظاهرة في غاية الخطورة، لأن التقليد لا يقف عند حدود الاتباع والتأسي وإن وجد ما هو أقوى في الرأي، وإنما يمتد لأبعاد اجتماعية شديدة الخطيرة، بأن يتم إحياء ما دفنه الزمن من اختلافات، ويشعلون الفتنة من ورائها، ذلك أن التاريخ يعيش بين ظهرانينا، أي هناك رواسب من الماضي، مذهبية وكلامية وسياسية، اتخذت أبعادا اجتماعية، وتكونت لها فرق وجماعات، وانتشرت في أقاليم جغرافية، وتكون المحصلة، إشعال فتيل نار لا لزوم لها، بدعوى إحياء ما في التراث والتمسك به، والذود عنه. هؤلاء لا يمتلكون رؤية فيما ينبغي إحياؤه، ففرق بين إحياء كتب السنة المطهرة، وبين الآراء الشاذة المتشددة، التي تلائم فكرا بعينه، ويجري تقديمه للأمة على أنه غاية العلم، ولابد من اتباعه.

    فبدلا من إحياء التراث ليكون أساسا نستند إليه في حاضرنا، يصبح إحياؤه سبيلا للاختلاف من جديد، ويضيع مبدأ مهم في الحضارة أساسه : أن الاختلاف في الرأي، هو الدليل الأسطع على صدوره عن منظومة مرجعية واحدة، يحول بين الحرب المتنقلة فيما بينهم، حرب الإغارات الإيديولوجية، 18 وهذا ناتج عن غياب رؤية واضحة، في الإحياء والنقل، وما ينبغي أن يقدم للعامة والخاصة.

الظاهرة الثالثة لداء الاختلاف في الأمة، هي ظاهرة وراثة ” علم الاستعمار “، ونعني به تبني كثير من المسلمين الدارسين في الغرب رؤية الغرب للإسلام، وهي رؤية حاملة رواسب قرون ماضية، تبدأ بالحروب الصليبية في القرون الوسطى، ثم الاحتلال الأجنبي في العصر الحديث للأقطار المسلمة، وبعد خروج المحتل بقي أذنابه، ممن حملوا فكره، وإن كانوا قد حملوا مسمى الإسلام، فراحوا يبثون سمومهم الفكرية في الحياة الثقافية الإسلامية.

    وقد ورثوا فيما ورثوا من الغرب ” جانب الحقد على الإسلام، واحتقار الإسلام والمسلمين، ذلك الاحتقار الموروث. وبهذا كانت ولا تزال الدراسات الاستشراقية تؤدي مهمتين اثنتين: ما فيها من معلومات موضوعية يتراكم فهي محصلة “علم الاستعمار”، وما فيها من إيديولوجية تحارب الإسلام، فيسري سموما ثقافية ؛ليكره للمسلمين دينهم، فينسلخوا عنه “. 19

    لقد تحول هؤلاء إلى أعداء للفكر الإسلامي، وأشاعوا في البيئة الفكرية الإسلامية الأفكار العلمانية، وارثين من الغرب ما يسميه الشيخ ياسين ” الفصام النكد “، 20 حيث خاضوا في صراعات فكرية مع الإسلاميين، فظهرت مدارس عديدة، لم تقدم إثراء للحياة الثقافية بقدر ما زادت من الخلافات بين تيارات الأمة، لأنها انطلقت من مرجعيات مختلفة، كلها غربي، فهناك التيار الليبرالي، والتيار الماركسي، والتيار القومي، وكلها تستند إلى العلمانية الغربية، التي تقصي الدين عن الحياة العامة .

   فــ ” كلما توغل المثقفون العلمانيون في “تراث الآخرين” وتشربوا فلسفتهم ومناهجهم، وداخلوا نمط معاشهم حتى تمكنوا في عشرتهم ؛ تقمصوا الخصوصية القومية( أو العلمانية ) لتعطيهم أصالة واسما وحيثية وجودية وتاريخا. لكن اللب غربي محض نفسا وعقلا وأهدافا “. 21

   وتلك الإشكالية العويصة، التي لا زلنا نعاني منها، لأن اختلاف المرجعيات الفكرية، بين ما هو غربي وما هو إسلامي ساهم في تزكية الاختلاف، في ضوء تحصن العلمانيين بالمؤسسات الرسمية، وهيمنتهم على وسائل الإعلام، واستعداء السلطات الحاكمة ضد الإسلاميين، ليتحول الخلاف إلى معركة، يرقص فيه العلمانيون على أجساد الإسلاميين وهم في السجون، أو المنافي، أو المطاردة الأمنية، وتلك من أشد الأزمات التي تواجه الأمة، أن تتحول النخبة الثقافية (العلمانية ) إلى عداء لكل ما هو إسلامي، وتفهم حقوق الإنسان التي تروج لها أنها حقوق لفئتها ومن ناصرها، أما حملة الإسلام ومرجعيته فلا حقوق لهم.

   فنحن نعاني في بلادنا من طغيان حاكم، وخضوع محكومين، وأن الحقوق لا تعطى إلا حسب الضغط الخارجي، وتغيب السلطة المضادة ( المعارضة )، وتتمتع الفئة العلمانية بحقوق كثيرة، بحق موالاتها للنظم الحاكمة، واحتقارها لكل ما هو إسلامي. 22


[1] جماعة المسلمين ورابطتها، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1432هـ، 2011م، ص72.
[2] الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، السيد ياسين، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 1983م، ص64.
[3] السابق، ص62 .
[4] جماعة المسلمين ورابطتها، ص72 .
[5] الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، ص180،
[6] السابق، ص184.
[7] الإسلام والقومية العلمانية، عبد السلام ياسين، دار البشير للعلوم والثقافة الإسلامية، طنطا، مصر، ط2، 1995م، ص172.
[8] الآخر في منظور الفكر الغربي الحديث، د. حسن الضيقة، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط1، 1994م، ص6، 7.
[9] ما بعد المركزية الأوروبية، بيتر جران، ترجمة : عاطف أحمد، إبراهيم فتحي، محمود ماجد. المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998م. ص9.
[10] الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، د. يوسف القرضاوى، سلسلة كتاب الأمة، وزارة الأوقاف، قطر، شوال 1402 هـ، ص 24
[11] مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، محمد الغزالي، ص114.
[12] إمامة الأمة، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، بيروت، ط1 ،1431هـ، 2009م، ص253.
[13] إمامة الأمة، ص255.
[14] السابق، ص256.
[15] إشكاليات العقل العربي ( نقد العقل العربي )، جورج طرابيشي، دار الساقي، بيروت، ط1، 1998م، ص277.
[16] لتعريفات للإمام الجرجاني، علي بن محمد بن علي الزين الشريف الجرجاني (المتوفى: 816هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1403هـ -1983م، ص63.
[17] الإحسان، ج1، ص61.
[18] إشكاليات العقل العربي، ص278.
[19] الإسلام والقومية العلمانية، ص79.
[20] السابق، ص47.
[21] السابق، ص 36.
[22] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، حقوق الطبع للمؤلف، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1994م، ص219، 220. 

أضف تعليقك