طـلاق الدنيا والآخرة

طـلاق الدنيا والآخرة

طـلاق الدنيا والآخرة :

قراءة من كتاب الإحسان 1 للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين.

 

1.استفتاح ودعـاء

بسم الله الرحمن الرحيم. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته. وما للظـالمين من أنصار. “اللهم ارحمني بترك المعـاصي أبدا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني،”“وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني.”

2. ربط السابق بالـلاحق

يقع موضوع “طلاق الدنيا والآخرة” في الفصل السادس من الجزء الأول من الكتاب الذي يتناول الخصلة الرابعة من الخصال العشر، وهي البذل. والفصل السادس محوري في كتاب الإحسان لأنه يبحث في حقيقة طلب وجه الله الكريم، في الصدق وتجليه سلوكا وفعلا وحركة في الميدان، بعد استكمال شروط التربية. يقول الأخ المرشد رحمه الله في بداية الفصل: في الفصول السابقة كنا نرمق طالب الحق من وجهة صلته بالله حين يذكره ويدعوه ويستغفره ويحبه ويتقرب إليه، وحين يصحب من يدله على الله ويتحبب إليه ويستمع إليه ليتعلم الإيمان قلبُه من قلبِه، وحين يصدق في نيته ويخلص ويخطو خطاه على سواء الصواب.)في هذا الفصل والفصول اللاحقة نعتبر طالب الحق وهو يصارع النوازع النفسية الاجتماعية التي تكدّر صفوه وتٌعَوِّصُ سيره وتغلبه على وجهه، يريد هو الله وتريده الدنيا والنفس والشيطان لغير الله.)نعرف صدق السالك من بذله للدنيا، أي من إعطائه ما في يده من جاه ومال ابتذالا للدنيا واستهانة بها في جنب الآخرة ثم في جنب الله. نعرف صدقه من إخلاصه وتقواه ومجانبته المباهاة في طلب العلم. نعرف صدقه من إخلاص عمله بمقتضى علمه، نعرفه من سمته، من تؤدته، من اقتصاده، من جهاده.) 2
يتوج موضوع “طلاق الدنيا والآخرة” الفصل السادس الذي تضمن تباعا العناوين: الذئبان الجائعان، الزهد والورع، التوكل، الشكر والبذل، البر، العدل، التقلل والترف، التواضع، طلاق الدنيا والآخرة، الفقر إلى الله عز وجل، شعب الإيمان. ولا يتسع المجال للبحث في طبيعة العلاقة بين المواضيع، وتكفي الإشارة إلى البعد البنائي، أي أن كل موضوع يتأسس على سابقه ويفتل في مقصده.

3. مراتب ومقامات

استعرض الأخ المرشد رحمه الله آيات قرآنية تحدد مراتب المسلمين ومقاصدهم، فيما يشبه درجات الدين: إسلام، إيمان، إحسان. فقال: تلا المؤمن قول الله تبـارك وتعالى: )وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى 3 ، فزاده القرآن إيمانا وزادته الآية توكلا. وتلا قوله عز وجل: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى 4 ، فازداد خوفا من بطش ربه. وتلا قوله سبحانه: وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى 5 ، فازداد رجاؤه فيما عند الله. وتلا قوله جلت حكمته: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى 6 ، فطلق الدنيا الفانية إيثارا لما يبقى على ما يفنى. ثم سمع بالسمع القلبي سمع الفطرة قول العزيز الحكيم: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى 7 ، فطلق الدنيا والآخرة جميعا شوقا إلى ربه وإيثارا للخالق الرزاق رب الدنيا والآخرة على ما سواه. 8 .
إيمان وتوكل على الله تعالى ثم خوف من بطش الرب ثم رجاء فيما عند الله ثم إيثار الباقية على الفانية فطلاق الدنيا والآخرة. سيرورة إيمانية وطريق تسلك ومدارج تُرتقى بالمجاهدة والذكر أو بالثبات في الصف مع كثرة الذكر، على قاعدة الصحبة التي تحرر من هوس الدنيا فرحا بما عند الله تعالى وشوقا إليه ودوام مناجاته. يقول حفظه الله: الانقلاع عن الدنيا وعن شهواتها، والزهد في متاعها المادي من أموال وزينة، والترفع عن طلب الرئاسات، والتواضع، والتقلل، والتوكل،مقامات يبلغها السالك الصوفي بالمجاهدة والذكر، ويبلغها السالك المجاهد بالثبات في الصف مع كثرة الذكر، ويدركها الاثنان بصحبة من تخطى الدنيا ولم يقف مع الآخرة إلا نفسُه الفرحةُ بما عند الله، والروح في أشواقها إلى الله، والسر في مناجاته مع الله.) 9

4. تصحيح وتوضيح

“طلاق الدنيا والآخرة” عبارة تتكرر في كلام الأكابر من الرجال، وقد يوحي ظاهرها بنوع من الاستخفاف بالآخرة وعدم تعظيم شأنها؛ الأمر الذي تطلب توضيحا، ذلك أن طلاق الدنيا والآخرة يعني تجاوز المخلوقات والتعلق بالخالق سبحانه وتعالى. يقول الأخ المرشد رحمه الله نافياً أن يكون الاستخفاف بأمر الآخرة سلوك هؤلاء الأكابر: كيف واللهُ عز وجل خوفنا من عذابها وجمَّل لنا ثوابها ونعيمها! نَفس المؤمن والمحسن تخاف أشد الخوف مما خوف منه الله تعالى، وترجو ما رجّى فيه. نفس العارف تخاف النار وتحب النعيم كأشد ما يكون الخوف والحب، فهو عبد لله. لكن قلبه لا يلتفت إلى الدار دون الجار، لا يحلو له نعيم في الدنيا والآخرة مع مجرّد فكرة أن يحجب عن الله عز وجل…) 10 . وفي ذات المعنى قال الإمام عبد القادر قدس الله روحه: الدنيا سوق عن قريب ينغلق. أغلقوا أبواب رؤية الخلق وافتحوا أبواب رؤية الحق عز وجل…) ثم قال بعد كلام: “الزاهدون يأكلون في الجنة، والعارفون يأكلون عنده وهم في الدنيا. والمحِبون لا يأكلون في الدنيا ولا في الآخرة. طعامُهُم وشرابهم أُنسهم وقربُهم من ربهم عز وجل ونظرهم إليه. باعوا الدنيا بالآخرة، ثم باعوا الآخرة بربهم عز وجل رب الدنيا والآخرة. الصادقون في محبته باعوا الدنيا والآخرة بوجهه، وأرادوه دون غيره. فلما تمَّ البيع والشراء غلب الكرم فرد عليهم الدنيا والآخرة موهبةً، وأمرهم بتناولهما… لمّا رضوا بذلك، وقرّروا مع نفوسهم الطمأنينة عليه نظر إليهم نظرَ الرحمة، فأعزّهم بعد ذلهم، وأغناهم بعد فقرهم، ومنحهم وقرَّبهم منه دنيا وآخرة.)المؤمن يزهد في الدنيا فيزيل الزهدُ وسخ باطنه ودَرَنَه وكَدَرَه. فتأتي الآخرةُ فتسكُن قلبه، ثم تأتي يد الغيرة فتزيلها عن قلبه، وتعلمه أنها حجاب عن قرب الحق عز وجل. فحينئذ يترك الاشتغال بالخلق في الجملة، ويمتثل أوامر الشرع، ويحفظ حدوده المشتركة بينه وبين العوام… فإذا تم هذا فهو فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)“. 11
طلاق الدنيا والآخرة مقام اختُلِف في فهمه وتحقيقه، فهو هروب عن الدنيا بالجسم والنفس والقلب والروح لدى السادة الصوفية، أما عند الأنبياء والرسل عليهم السلام وكبار الصحابة فهو إعطاء لكل مقام حقه. يقول الأخ المرشد رحمه الله: قدمُهم في الدنيا راسخة ثابتة لأنها دار عمل وجهاد، وقدمهم في الآخرة راسخة لأنها دار المعاد، وأرواحهم وأسرارهم مع الله عز وجل هنا وهناك. سبقوا الزاهدين الهاربين بالثبات في المواقف، ولم يسبقهم أحد ـ وسبحان الله ـ في القرب من الله…) 12
قعَّد السادة الأنبياء والرسل عليهم السلام أصول السلوك والعبادة الحقة فساروا في الناس وغشُوا الأسواق وأكلوا الطعام وقاوموا الظلم والطغيان فحازوا السبق ونالوا المنازل السنية؛ وعلى الدرب سار الصحب والإخوان في آخر الزمان مسلحين بالصدق فكُلِّلَ سيرهم بالتوفيق. طبعا الإخوان حقا وصدقا الذين اشتاق صلى الله عليه وسلم لرؤيتهم، الذين لا يترددون في بذل الروح نصرة لدين الله ودعوة الحق. كما في الحديث.

5. دليل وبرهان

ادعاء الصدق والتشوف لأعلى المقامات سهل، ومرآة انكشاف الادعاءات الموت ولحظات الاحتضار. يقول الأخ المرشد رحمه الله: عند الموت يكون العبد لا في الدنيا ولا في الآخرة. عند الموت يُكشف غطاء المحتضر فينكمش الكافر على نفسه ويقول: )رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ 13 ، ويفرح المؤمن بما وُعد، ويطير العارف إلى مُراده، وتظهر ميزةُ الكُمَّل من الرُسل والحواريين، لا تشغلهم دار عن دار، ولا ينقص من شغلهم الروحي السري بالله شغلُهم القلبي بالآخرة التي فيها معادهم، ولا شغلُهم بالدنيا التي منها زادهم من العمل الصالح والجهاد.شوق إلى الرب، وطرب للقاء الأحبة، ورجاء عفو الكريم، وعض بالنواجذ على التوجيه النبوي تقللا من متاع الدنيا، عناوين كبرى للحظات انتقال عامة الصحابة رضي الله عنهم من الدنيا إلى الآخرة.)أما السادة الخلفاء الراشدون فقد فارقوا الدنيا بلا جزع، بل باطمئنان وفرح، لم يشغلهم الموت ومصيرهم الفردي عن هموم الأمة: تثبيت الخلافة، واشتغال بتدبير الشورى، واستعانة بالله على جميع الأمور، ويقين في الفوز برضا الله. يقول الأخ المرشد حفظه الله عن مشاهد احتضار هؤلاء الرجال: “ولما احتُضر الصديق رضي الله عنه كان آخر شُغله في الدنيا وصيتُه بالخلافة من بعده لعمر بعد عهد حافل بجهاد أهل الردة. وكان مما قاله قبل موته فيما رواه سعيد بن المسيب: “اللهم إنك دَبَّرْتَ الأمور وجعلت مصيرَها إليك، فأحيني بعد الموت حياة طيبة، وقربني إليك زُلْفَى. اللهم من أصبح وأمسى ثقتُه ورجاؤه غيرُك فأنت ثقتي ورجائي. ولا حول ولا قوة إلا بالله.”.)ولما طُعن عمر بن الخطاب اشتغل بتدبير الشورى من بعده، لم يشغله ما كان يعانيه من الجراح عن دنيا الأمة، ولا شغلته هموم الآخرة عن هم الأمة، ولا شغله كل ذلك عن هم الله. كمال في كمال…)ولما طعن أمير المؤمنين عثمان كان آخر كلامه: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. اللهم إنى أستعديك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني.”.)ولما طعن الإمام علي كرم الله وجهه قال: “فزت وربِّ الكعبة!” ولم ينطق إلا بـ “لا إله إلا الله” حتى قبض. وقال قبيل الرحيل: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾.)“أما الأسوة العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان آخرُ أيام حياته في الدنيا الاشتغال بتجهيز الجيش مع أسامة إلى الشام، فلما اشتد به المرض وعالجته سكرات الموت، وكانت شديدة عليه لتتأسى به أمته، اشتغل بتنصيب أبي بكر إماما للصلاة، يتفقد هل نُفِّذ أمره بهذا الصدد كلما أفاق من غَشْياته. وكان آخرَ وصاياهُ صلى الله عليه وسلم بالصلاة وبالنساء ومِلْكِ اليمين. وكان آخر كلامه صلى الله عليه وسلم: “اللهم الرفيق الأعلى”، وقوله تعالى: )مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ 14 كانت لحظاتِ ثباتٍ، واهتمام بأمر الأمة، وجهاد، وتعليم. ثم طلبَ الرفيق الأعلى من أحباب الله انتظاراً ليوم الشفاعة ولواء الحمد.) 15
هذا هو التجلي النبوي والتطبيق العملي لطلاق الدنيا والآخرة: زهد في الدنيا وملذاتها، وجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، وإقامة لميزان العدل وتكريم الانسان، وسعي لأعلى درجات الآخرة تاجها النظر إلى وجه الله الكريم صحبة النبيئين والصديقين وشهداء الأمة وصالحيها.

6. وللشعر كلمة الختام

ولتنويع أشكال الخطاب سعيا للإقناع اختار الأخ المرشد رحمه الله مختارات شعرية، فهذا عبد الله بن المبارك يذم الذين ماتت قلوبهم من سموم جيفة الحياة الدنيا، وباعوا نفوسهم بيعَ خسارة:
رأيت الذنوب تُميت القلوب*** وقد يورث الـذلَّ إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب*** وخيرٌ لنفسك عصيـانُها

وهل أفسد الدينَ إلاّ الملوكُ*** وأحبـار سوء ورهبانها

وباعوا النفوس ولم يربحوا*** ولم يَغْلُ في البيع أثمانها

فقد رتـع القـوم في جيفة ***يَبينُ لذي اللب خسـرانها
وقال الإمام الشافعي يخبر عن طعم الدنيا:

ومن يذق الدنيا فإني طعِمتها*** وسيـق إلينا عذبُها وعذابُـهافلم أرها إلا غـروراً وباطلا ***كما لاح في ظهر الفلاة سرابُهاوما هي إلا جيـفة مستحيلة ***عليها كـلابٌ همُّهُنَّ اجتـذابهافإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ***وإن تجتذبها نـازعتك كلابهافطوبى لنفس أولعت قَعْرَ دارها*** مغلَّقة الأبواب مُرخىً حجابها
وقال في طلاق الدنيا:

إن لله عبـادا فطـنا ***طلقوا الدنيا وخافوا الفِتنانظروا فيها فلما علموا ***أنهـا ليست لحي وطناجعلوها لجَّةً واتخذوا ***صالح الأعمال فيها سفُنا
وقال ـ رحمه الله ـ وهو على فراش الموت:

ولما قسـا قلبي وضـاقت مذاهبي ***جعلت رجائي نحو عفوك سُلماتعـاظمني ذنبـي فلمـا قرنتـه*** بعفوك ربي كان عفوُك أعظمافما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل*** تجـود وتعفـو منة وتكرمـا
وختم الأخ المرشد كدأبه رحمه الله موضحا محور الموضوع فقال:

إن أوْهى النَّسج نَسجُ العنكبُوت*** تَخِذَتْ مَسكَنهـا بَين البيــُوتْوكــذاكَ الظُّلمُ فيمَـا بَيننا ***يَتـلاشـى إنْ نهضْنـا لِنمـوتْأوْ نُقيـمَ العَدلَ فـي دَولَتهِ ***رَافعينَ الصَّوتَ في وسْطِ الصُّمُوتْ
والحمد لله رب العالمين.


[1] (ج1/ص 494)
[2] ص:433
[3] (سورة طه،الآية:131)
[4] (سورة طه،الآية:127)
[5] (سورة القصص،الآية:60)
[6] (سورة الأعلى،الآية:17)
[7] (سورة طه،الآية: 73)
[8] ص:494
[9] ص:497،496
[10] ص:495
[11] الإحسان ص:496،495
[12] ص:497
[13] (سورة المؤمنون،الآية:100)
[14] (سورة النساء،الآية:68)
[15] ص:498 وما بعدها.

أضف تعليقك