درس عبد السلام ياسين

درس عبد السلام ياسين

درس عبد السلام ياسين :

 

لا مشاحة في أن الشيخ عبد السلام ياسين شغل الكثيرين كما شغلني منذ أن وعيت الحياة، وعرفت النضال، وفزت بحظ من القراءة والمتابعة والانخراط في معترك الشأن الجامعي، ثم الشأن العام.

ولا أنكر أن الرجل، تسلل فكرا وقوة هادئة، وعلما زاخرا هادرا، ورباطة جأش، وَرُسُوًّا على المبدأ كمثل الطود، إلى نفسي، وعقلي وواعيتي في سبعينيات القرن الفائت.

أكبرت في الشيخ –كما أسلفت –قوة شخصه، ونسكه، وغزارة علمه، وصفاء فكره، وتماسك رؤيته ورؤياه ومشروعه. إذ كان مشروعه، ولا يزال، مشروعا مزلزلا بالمعنى الذي يحيل على الرجة التي أحدثها، في بنيان فوقي سلطوي وسلطاني يستمد مشروعيته من التاريخ، والسلالة النبوية والبيعة.

كانت رسالته / كتابه : “الإسلام أو الطوفان” خطا قاطعا مع خطية فكرية مهادنة ومطمئنة، وبداية إقلاق وشقلبة لفزاعة الخوف، وغول المقدس. وبينما انبنت الرسالة – الزلزال على النصح، وتقديم نموذج الخليفة عمر بن عبد العزيز، كحل وبديل عن الملك العاض والجبري الذي تعرفه دول إسلامية في المشرق والمغرب، انطوت –بنفس المقدار- على التهديد والوعيد، بما يفيد تخيير الملك الحسن الثاني في منتصف السبعينيات (1974) بين الاقتداء بالنموذج العادل الخالد للخليفة عمر بن عبد العزيز أي بالخلافة الراشدة، وبين الزحف والطوفان. لم أُخْفِ تضامني القلبي مع مضمون الرسالة – فترتئذ – وكنا طلاب معرفة وعلم وأحلام – حديثي عهد بولوج الجامعة. كما لم أخف ألمي وحزني الشديدين للمآل الذي صار إليه الأستاذ ياسين وقد أدخل مستشفى المجانين، وهو عقاب –لعمري- أمَضُّ وأقسى على الرجل من القتل والتصفية. علما أن ياسين تعامل مع الواقعة بالصبر الأيوبي، ورضا المؤمن القانت الذي قَوَّاهُ وشحذه نفح النبوة، وبَرَاهُ الاطمئنان الروحي وبرودة اليقين، من أن رهانه سيتحقق، وأن وصيته ستتبلور طال الزمن أو قصر، ما دام أن وراءها شخصية صلبة، وصدقية تاريخية تمتح من مرجعية النص والسنة والجماعة والشريعة: (فكيف ضاق صدر الملك بالرسالة / الوصية)؟!

من هنا، نبع احترامي للشخص، لثباته على المبدإ، وعضه بالنواجذ على أفكاره، ومشاريع رؤاه، وما يراه حقا أبلج، ومحجة بيضاء.

ومن هنا، تساءلت: كيف ضاق صدر الملك الراحل بالرسالة التي –على عنف لغتها، وعدم استحضار السُّدة التي تراسلها- كان أولى به وهو الحاكم والملك والسلطان، أن يتجاهلها تماما، أو يأمر بتشكيل لفيف من العلماء يناظرون الشيخ في أسس ومنهج وأبعاد رسالته. ثم تذكرت فجأة، ثخونة الجراح التي كان يعانيها الحكم، من جراء انقلابين غادرين فاشلين كانا، لو أتيح لهما التحقق والنجاح لدفعا بالبلاد إلى وهدة سحيقة ولأغرقاها في حمام دم، وطغيان أَشِر، وجبروت عسكرتاري لا يُبْقي ولا يذر.

بين “الإسلام أو الطوفان”، و”مذكرة إلى من يهمه ا لأمر”، نشط الفكر الياسيني كما لم ينشط فكر آخر مغربيا – قبله أو بعده – أضحت التآليف والمصنفات تَتْرَى، وهي ترسم خطا تصاعديا لا عِوَجَ فيه، ولا تذبذب أو تراجع. اشتعل أوار الحركة، “حركة العدل والإحسان” الإسلامية، وعظم شأنها، واشتد ساعدها، وذاع صيتها، وبرز عبد السلام ياسين كأحد الدعاة الأفاضل، القلائل وطنيا وإسلاميا، وتكرس فكره وجماعته، وتكاثر أنصاره ومريدوه، لأنهم رأوا في النهج الذي رسم قواما لا أقوم، وسبيلا لا أسلك ولا أنجع . ورأى فيه “الفضلاء الديمقراطيون” بحسب تعبيره، فكرا متكثرا، قوي الحجة، متماسك البنيان، متناغم الطروحات، متسق العبارة والإشارة، له الفصاحة مركبا، والبلاغة سناما وسمتا. وفي تقديري الشخصي، فإن كتاب “المنهاج النبوي” منارة علمية ودينية مضيئة، لحجيته، وقراءته العميقة لتاريخية الإسلام، ومسار الدعوة والخلافة الراشدة “الشورية”، وعرض أسباب انكسار المسلمين وخذلانهم وتشرذمهم وصولا إلى انفراط عقدهم، بعد أن حادوا عن الجادة، وقبلوا بالظلم والملك العاض المستبد، عرضه على مرآة التحول والأشراط الظرفية، وعلل الانهزامات والخيبات.

ويكاد هذا الكتاب –أن يكون واسطة عقد ما كتب وألف وصَنَّفَ… ولربما كانت باقي الكتب عيالا عليه، وتنويعا له، وبسطا وتوسيعا لجماع أفكاره، ومطارف آرائه واجتهاداته. غير أن أهمية الرجل تكمن أساسا في توجيهاته وإرشاداته التي تستند إلى التربية بمعناها الشامل : الديني والخلقي، والفكري والقيمي والعلائقي، التربية بما هي تغيير باطني وتزكية للنفس وتقويم لها.

ففيه وضع الإطار النظري للقومة التي سيكون لها شأن وصدى واسع في البلاد سلبا وإيجابا، قبولا واستنكارا، طلبا ونفورا. وفيه حدد الخط الاستراتيجي للجماعة بشكل واضح لا غبار عليه، حيث الربط العضوي المحكم بين النظري والتطبيقي، وبين القوة والفعل.

ولا شك –أيضا- أن فكرة الإمامة الثاوية خلف الكتابة والتنظير والتطبيق، والتصريف العملي ، كانت وقودا للحركة من حيث تسييسها، ومهمازا دافعا لها نحو البلورة على الأرض، والتمكن من الناس، والتغلغل وسط الأتباع والمريدين والمناضلين، إذ لا يخفى أن غنى “العدل والإحسان” من غنى تياراته، وثراء فئاته المنضوية تحت لوائه، وتعدد مستويات منخرطيه العمرية والثقافية من دون اختلاف ولا فُتَاتٍ، إذ الدليل والسراج والمشكاة والخيط الأبيض، هي كتب المفكر والشيخ الفاضل، والمرشد العام.

لسنا بصدد تقديم كتبه جميعها، من أجل قراءتها وتلخيصها، ومناقشتها، فذلك مطلب يعز علينا الآن، وتضيق عنه مقالة كهذه. ما نتوخاه –بالمقابل- وتوخيناه من تحبير هذه الكلمة، هو ترجمة إحساسنا تجاه الرجل، وقول رأينا فيه ولو باقتضاب –وقد التحق بالرفيق الأعلى، وأصبح في ذمة التاريخ.

فأنا –إذًا- لست حديث عهد بمعرفة الرجل الفاضل رحمه الله – إذ عرفته وسمعت به وعنه وأنا في ميعة الصبا أيام الطلب بجامعة فاس، علما أن “السيادة” الفكرية، كانت –آنئذ- لليسار الجذري، والهيمنة الإيديولوجية للماركسية اللينينية، والسطوة الأدبية للأدب الملتزم الهادف، والوجودية السارترية، والعبثية الولسونية، والجدة التحليلية الماركيوزية، ولفكر الأحزاب الديمقراطية التي ارتضت مصالحة النظام ومهادنته، وقبول لعبة الانتخابات، فسميت –تبعا لهذا- بالأحزاب الإصلاحية، وأحيانا بـ “الخائنة”.

كنا ننتمي إلى هذا الطرف أو ذاك، إلى اليسار المحظور، أو “التحرر والاشتراكية”: حزب المِؤسسين الكبار : علي يعتة، وعزيز بلال ، وعبد السلام بورقية ، وعبد الله العياشي ، وشمعون ليفي . أو “الإتحاد الاشتراكي” المشخص عن جدارة واعتزاز في القادة الرواد المهدي بنبركة ، وعبد الرحيم بوعبيد، وعمر بنجلون. ومن ثم، فكل من “تأسلم” أو انتمى حتى إلى “حزب الاستقلال” يعتبر رجعيا في أحسن الأحوال، وجاسوسا مدسوسا في أسوئها.

ومع ذلك كان لاسم عبد السلام ياسين، الآتي من بعيد… من أحراش سوس العالمة، رنين خاص، ورجع استثنائي، متأتيان، بالتأكيد، من صلابته، وعناده المبادئي، وتحديه الخرافي للنظام… وما أدراك ما النظام في تلك الأيام !.

اختلفت مع الرجل الكبير : عبد السلام ياسين في منظوره، وتحليله للواقع المغربي، وتقاطع بعض أفكاره مع الماورائيات والغيبيات، ما يجعل هضمها مستثقلا، ومشاطرة نبضاتها، عسيرا ومستبعدا. واختلفت مع المحيطين به، المقربين منه عندما أحلوه محلا أسطوريا” فوق بشريا، لم يكن ليرضى به وعنه في نظري، وعندما خلعوا عليه من المناقب والكرامات ما يسيء إلى متنه الفكري الدعوي التربوي، القوي، الصافي، الواضح والدال، المغترف من الدين والتاريخ والاجتهاد والمقاصد، والمصالح المسترسلة.

لهذا احترت في أمر الداعي وفي أمر الدعوة، أين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيها، أين البياض الناصع المعهود في فكر الرجل، وحنكته العلمية ورسوخه الديني، وأين المنطقة الرمادية التي تجيز هذا وذاك، تلعب على النهار كما تلعب على الظلمة، على العلمية الناجزة كما على الخرافة المنتسجة والشائعة، على الفكر الوثاب، والإمامة الجُلَّى، كما على البدعة المريضة والمعجزة الخارقة، الغارقة في الوهم والتوهيم.؟

“غمة التوريث” كما سَمَّتْها جماعة العدل والإحسان، هي قاصمة ظهر البعير، وهي مجلى الفساد و الاستبداد في اعتبار منشيء الجماعة.. وفي كتاباته وتحبيراته، وإرشاده، ما قاده إلى المصح الجنوني، ثم إلى السجن، ثم إلى الحصار الجائر.

وإذا كان لنا من رأي في هذه “الغمة” ، فإننا نقول، سريعا، بأن الخلافة الراشدة التي يستند إليها الشيخ وجماعته الفاضلة، والتي اعتبرها نموذجا في الشورى، من حيث التشاور الجماعي ، و تدوير الأمر وتدبير الشأن والحال بين الصحابة وأتباعهم، لم تكن كذلك بالتمام والكمال، بل شابها تداخل وتحارب، وشد وجذب، بدليل الاقتتال بين علي ومعاوية، ومقتل عثمان بن عفان قبلهما، واقتصار الشورى نفسها على ” نخبة النخبة “، على الملأ الأعلى من قريش والأنصار. وانفضاض “علي” يوم السقيفة معروف مشهور، ومشادات المهاجرين والأنصار تملأ الكتب والصدور.

زد على ذلك أن تاريخ الخلافة الإسلامية منذ معاوية بن أبي سفيان (وهو أحد كتبة الوحي يا حَسْرَاهْ) إلى يوم الناس هذا، درج في العض والجبر، أي كان تاريخا للوراثة والتوريث، والملك العاض والجبري. وترتيبا عليه، فإننا نعتبر الخط السياسي الذي دعا إليه الشيخ الزاهد، الفاضل عبد السلام ياسين، خطا مشتعلا من الصعب أن يتفق حوله جمهور من الناس، فكيف يجمعون عليه بالأحرى. لننصت إليه يقول : “خطنا السياسي الواضح هو أننا لا نعارض حكام الجبر، معارضة الأحزاب على مستوى تدبير المعاش والاقتصاد، بل نعصيهم لأنهم خرجوا عن دائرة الإسلام إلا أن يتوبوا توبة عمر بن عبد العزيز. نعصيهم ونعارضهم لأنهم خربوا الدين” [المنهاج النبوي].

فكيف تستقيم مناقشة مثل هذه الآراء، وهي تنطوي على يقين جازم بأن الحق معها، والحال أن مجتمع الصحابة فيه كلام كثير، وروايات متضاربة، لا يمكن اعتمادها، والاستئناس به، والوثوق بصحة ما روي، بتفضيل هذه الرواية عن تلك، إذ كيف السبيل إلى الغربلة، والتنخيل، ودحض الشك بشمس اليقين؟

هذا الخط المشتعل الذي أشرنا إليه ، ليس هو –الخط الوحيد- والأوحد في منظور وعرف الجماعة. ففي مشروع عبد السلام ياسين الفكري، ما يخفف من هاته الغلواء، ويطمئن بنقيضها، أو بما يمكن تسميته، ببلسمها ولطيفها. والمقصود أن الخط السياسي المومأ إليه يرفض العنف والاغتيال السياسي، كما يرفض العمل السري، وكل أساليب المكر والخداع والغش. فمرتكزه الوضوح ، والمرونة، وعدم رضاه بأنصاف الحلول.

غير أن مراجعة دقيقة لتاريخ الإسلام، ولعصر الصحابة ومستتبعاته، من نواقصية ودموية، وتصفيات واغتيالات، و تحريضات من أمهات المؤمنين، ومعارك اقتتالية يشيب لذكرها الولدان، أصبحت مستعجلة وملحة لوضع فكر الشيخ الغني القوي العريض، على السكة، وفي أتون الواقع والحقيقة بما يفضي إلى إسقاط مزاعم ، وأفكار غير مسنودة ، والإبقاء على بعضها المتبصر والممحص ، علاوة على وجوب ربطه ” أي فكر الشيخ ” بمعركة الخبز والكرامة والحرية والديمقراطية التي ما فتيء الشيخ وجماعته، يرفعونها، ويناضلون من أجلها، ويعتبرونها أولوية إذا شِيءَ لمجتمع المسلمين والمواطنين، أن ينهض وينمو، ويكلل بالعدل والكرامة. ما نختلف فيه –في بعض المناحي- طبيعة القاموس، ونوع المفردات والمصطلحات المستعملة. وقد يغوص الاختلاف –طبعا- في بعض البديهيات والمسلمات، وزوايا النظر إلى الإسلام نفسه، والواقع الذي نعيش فيه، والنظام الذي يحكمنا، وقراءتنا لتاريخيته ومشروعيته.

أكيد أن الذين اختلفوا ويختلفون مع فكر الرجل، يُكِنُّونَ له التقدير والتبحيل والإحترام، ويعتبرونه واحدا من أساطين الفكر والمعرفة والدعوة إلى الله والسبيل الأقوم ، والتربية الروحية والمادية . فقد جمع هذه المقومات البانية العالية في شخصه، وَقَلَّ من تجتمع لديه، وإن حاول جمعها. هل هي عبقرية استثنائية، وموهبة ربانية منحت للشيخ ياسين، أو هي رسالة بليغة تبليغية أريد له أن يكتبها عبر عقود، ويوصلها إلى الشباب والشيوخ، إلى النساء والرجال، والديمقراطيين، وإلى من “يهمه الأمر”؟. نعم، ما في ذلك شك، وأنا واحد من هؤلاء الذين يختلفون، لكنهم يحملون المحبة والإعجاب والاحترام والتقدير الواجب للأساتذة النزهاء الفضلاء الكبار… للشيخ ياسين، المرشد العام لجماعة العدل والإحسان بكل تأكيد.

إشـارات 

-ذكرتني جنازة الشيخ ياسين المهيبة، بجنازة القائد الفذ عبد الرحيم بوعبيد… فالجنائر في مثل هذا الحجم ، وهذا الإتساع، وهذه الكثافة والسماكة من الأمواج البشرية التي جمعت الشيوخ والشباب والنساء والرجال، وكل الأطياف والألوان والمشارب السياسية والدينية، والرموز والقادة الوطنيين، والمفكرين، هذه الجنائز لا تكون إلا للكبار، للبررة، لصانعي تاريخ البلاد بعزائمهم وفكرهم وعلمهم ونضالهم وتضحياتهم.

-لست أدري لماذا يحضر إلى البال، أستاذنا الجليل الدكتور طه عبد الرحمن أمد الله في عمره ، كلما ذكرت الشيخ عبد السلام ياسين، أو طالعت كتابا له، ربما لأن الرجلين- على اختلاف المسار، والاتجاه والهدف- يمتحان من فكر تأصيلي أصولي، ومعرفة مشرقة إشراقية، وينسجان نفس البردة، وإن بخيوط مختلفة الألوان، ونسيج من أصواف وأقطان وحرير وكتان.

رجلان عالمان فذان ربانيان ينتميان إلى مدرسة إسلامية صوفية تكاد تتوحد في أبعادها، وتشتبك أفنانا وأغصانا ، وأوراقا وجذوعا ، وجذورا ، على رغم اشتغال طه بالفلسفة الإسلامية التي علا كعبه فيها، واشتغال ياسين بالفكر اللُّدُني –الديني والدنيوي، الذي سمق فيه وسما.

 

 

 

 

أضف تعليقك