تأملات في سيرة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله ومسيرته

تأملات في سيرة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله ومسيرته

 عبد السلام ياسين العالم القرآني النبوي، والمجدد المجاهد، والمربي الرباني، دفع ثمن الثبات على المبادئ غاليا، فكان جزاؤه السجن والإذاية والحصار والتعتيم والتكفير والتسفيه والافتراء…صنوف من الابتلاء لم تزد الرجل إلا ثباتا وجاذبية وإثارة للجدل والإعجاب..! 

تخرج بتفوق من محاضن التعليم الشرعي بجنوب المغرب، وختم مسيرة الطلب بصحبة الشيخ العارف بالله الحاج العباس البودشيشي رحمه الله، وهو شيخ رباني جليل من أقطاب التصوف السني بالمغرب. فحاز الأستاذ ياسين بذلك كمالات التربية والتعليم. 

وبهمة عالية وثقافة موسوعية وكفاءة قيادية كبيرة ارتقى الأستاذ عبد السلام ياسين أعلى مراتب الإدارة في قطاع التربية والتعليم في المغرب تربية وتعليما وتنظيرا وتسييرا، وكان مطلعا عن كثب على أحوال الدولة والشعب في مرحلة سياسية عصيبة من تاريخ المغرب فجهر برأيه المعارضللنظام الحاكم، ولنظم الفساد والاستبداد العربية عموما. فكتب  للملك الحسن رسالته الناصحة الشهيرة  “الإسلام أو الطوفان”ثم”رسالة إلى من يهمه الأمر” للملك محمد السادس ” داعيا بذلك إلى توبة عمرية عبر العدل في الرعية والقسم بالسوية ورفع المظالم اقتداء بعدل الخلفاء الراشدين… فرماه عن قوس واحدة وتجند لحربه عن جهالة، أو سذاجة، أوتواطؤ مع النظام بعض العلماء والدعاة والاسلاميين والعلمانيين والاعلاميين و كفره السلفيون المتطرفون… فسجنه الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله ورمى به في مستشفى السل ومشفى المجانين، وضرب عليه وعلى تنظيمه التضييق والحصار، ولم يتغير الأمر كثيرا في العهد الحالي!

تنبأ بالمتغيرات الكبيرة والتحولات التي يعرفها العالم العربي اليوم، وقال فيها رأيا وكلاما حكيما لم يطلع عليه ولم يعه كثير من الناس داخل المغرب وخارجه! وأسس لوحده بمعية اثنين من إخوانه أكبر تنظيم مدني مجتمعي قوي وهادئ في المغرب “العدل والإحسان” وذلك بعد أن حاول جاهدا جمع فضلاء الدعوة والحركة الاسلامية بالمغرب.  ففوت النشطاء الإسلاميون  آنذاك فرصة الانجماع على منهاج عملي تربوي استراتيجي قاصد كان ثمرة سنوات طويلة من التخطيط والخبرة العلمية والميدانية، والتهمم والتفكير في أمور الإسلام والمسلمين المستضعفين.

كان متلطفا ودودا، كريما حازما، شجاعا في الحق، ذكي الفؤاد، واسع العلم والثقافة، سيال المدد والمداد، بعيد النظر والتدبر، لا يحب التشاحن، ولا يحب أن يختلف عن محيطه المجتمعي ومخالفيه بشيءغير التميز على مستوى الفكرة والخلق والإيمان والفاعلية، دون استعلاء ولا ادعاء، ولا استعداء، ولا عنف عقدي أو رمزي أو مادي تجاه أفراد الأمة وفئاتها، ولا حتى حكامها رغم ما لحقه منهم هو وأهله وتنظيمه من جور وتضييق مستمر!

أسس المدرسة التغييرية الأكثر انسجاما واستقلالية، تربويا وفكريا ومنهاجيا وتنظيميا، مما أهلها لتكون ذات جاذبية كبيرة في الأوساط الشبابية المسلمة، في المغرب وفي عدد من دول اوروبا وافريقيا وغيرها من بلدان العالم . 

تحير المعجبون بشخصيته الآسرة، من خارج جماعته، في تصنيفه حركيا ومذهبيا وفكريا، كما تحير كذلك خصومه ومعارضوه، كل من زاوية نظره ومعاييره! غير أنهم أجمعوا على فرادة الرجل ومصداقيته، وغربته في زمانه ومكانه!

لهذا الرجل، الخبير بعلوم الشريعة، وعلوم التربية والتاريخ والسياسة والاجتماع، والمتمكن الكاتب بعدد من اللغات العالمية، نظرات جريئة متجددة وفريدة في الفقه وقراءة التاريخ الاسلامي ومستقبل العالم، وله حوارات مفتوحة مع عموم الديموقراطيين والحزبيين، وله كتابات لتنوير المسلمات وتحرير المرأة المكرمة  من الاستعباد العرفي الموروث، والاستعباد الحداثي المتغرب، وله حوارات أخوية مشفقة يتألف بها شركاء الوطن وإخوة الدين والمصير الأمازيغيين، والحداثيين، والثوريين، والاشتراكيين والليبراليين، والإسلاميين وغيرهم…يدعوهم جميعا الى ميثاق جامع وكلمة سواء لا تنقص من حظوظهم في الدنيا، ولا يشقون بها في الآخرة.

وللأستاذ ياسين رحمه الله كتابات تجديدية في الاقتصاد، والفن، والإعلام، والدعوة، وفي مقاصد الشريعة في عصرنا ولمستقبل الاسلام.. وله مقارنات تجديدية بين الشورى والديمقراطية، وله نصائح ورسائل جريئة وأمينة وصارخة للحاكمين في المغرب وفي العالم العربي.

وقد زرع الرجل الامازيغي نشأة، وسبط النبي العربي صلى الله عليه وسلم نسبا ووراثة، زرع قبل رحيله أكثر من أربعين كتابا ومؤلفا في شتى الحقول والمجالات الحيوية، تشكل مجتمعة بستان معرفة يحمل تصورا تجديديا لمنهاج النبوة القرآني تربية وتنظيما وزحفا، وذلك على قاعدتي العدل في السياسة والاقتصاد، والإحسان في التربية السلوكية والايمانية.

ولم يكن الرجل في دعوته ولا تنظيمه صوفيا طرقيا، ولا سلفيا تبديعيا متطرفا، ولا شيعيا رافضيا، ولا إسلاميا حركيا فكريا، ولم يكن داعية مشرقيا ولا مغربيا، ولا متغربا مستلبا؛ كما لم يكن أيضا مرقعا ولا ملفقا من كل ذلك تلفيقا، بل كان رحمه الله عبدا حنيفا محسنا، عارفا بالله، داعيا إليه على هدى وبصيرة، أوتي الحظ الوافر من الوراثة النبوية الإحسانية الجهادية الجامعة، وحظا وافرا من علوم العصر ومعارفه، وكان  خاشعا ذاكرامنيبا، صواما قواما، مشفقا حريصا على المسلمين، توابا على الدوام، ويدعو الناس إلى التوبة، لا يريد في الأرض علوا ولا فسادا.

بهذا كتب له القبول والمحبة دون تكلف ولا جعجعة، وعلى هذا الحال عرفه من عرفه أو صحبه، او قرأ له او اقتبس من سيرته قبسا سلوكيا ظاهرا او حالا قلبيا باطنا. 

 يستوي في منهاج الرجل وفي صفوف جماعته الغني والفقير، والوجيه والأجير. قلوبهم على قلب رجل واحد محبة وتوقيرا، لا عبادة وتقديسا، كما يزعم ويروج خصومهم. هو لهم الأب والولي المرشد. وفي كنف صحبته وتحت ظلالها يتوادون ويتراحمون ويقومون صفا ثابتا كالبنيان المرصوص، يأمرهم بإحسان صحبة الشعب والناس كافة، والرفق والتؤدة والابتسامة والخدمة وبذل النفس والنفيس في العمل الخيري والتطوعي، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. وهذه جملة من أسرار قوة هذا التنظيم المنضبط المتماسك بعرى المحبة والطاعة والشورى، وهي المسماة النواظم الثلاثة في منهاج جماعة العدل والإحسان.

 ولذلك استطاعت الجماعة الصاعدة أن تستقطب وتربي في أمد وجيز رغم الحصار والإرهاب السلطوي أناسا من شتى شرائح المجتمع وطبقاته الاجتماعية والعرقية والفكرية، كما استطاعت أن تجمع بالاحتضان والتوجيه أكبر عدد من الكفاءات والكوادر العليا الشابة، في مختلف التخصصات الأكاديمية والعلمية الهندسية والإدارية والمهنية والتربوية وغيرها، مما يدل على توسع الجماعة وفعالية أدوارها التنويرية والتربوية و التنموية داخل المغرب  فضلا عن دورها الكبير في حفظ الاستقرار وامتصاص التطرف والعنف ونشر الفكر الوسطي المعتدل وذلك رغم دفعها لضريبة المعارضة الحقة ومناهضتها للفساد والاستبداد. وفي الخارج كذلك استطاعت مدرسة العدل والإحسان باستقلال تنظيمي تام عن الجماعة في المغرب أن تحظى بالاحترام والثقة في أوربا وأمريكا بعد أن أسهمت منظماتها في اندماج مجتمعي إيجابي ومنتج ومرن للجاليات المغربية والمسلمة من خلال سلوكيات وأخلاق منتسبيها في المسجد، والشارع، والادارة ومختلف مرافق الحياة. 

وقد كانت للأستاذ عبد السلام ياسين استدراكات وانتقادات وتصويبات، وآهات مكتومات وزفرات، ورسائل وتلميحات يطبعها الأدب الجم والنصيحة في الدين لعلماء الامة وصلحائها وللحركات الاسلامية ولنشطاء السياسة والمجتمع داخل المغرب وخارجه؛ وكانت لمنهاجه التجديدي استدراكات على بعض ما استحدثه الإخوان المسلمون من اجتهادات بعد الإمام حسن البنا رحمه الله، الرجل الرباني المجاهد الذي يحظى وجماعته بالمحبة والتقدير عند  الإمام ياسين رحمه الله وعند أتباعه ومحبيه .

وبهذا تميز مشروع مدرسة العدل والإحسان عن الجماعات والحركات الاسلامية بفقه جامع ذي صبغة كونية إنسانية تجديدية لدين الأمة، وباعث لنهضتها الإيمانية والحضارية مراعيا سنن الله السببية في الكون، ومستشرفا لمستقبل الأمة الموعود، ومؤسسا لمنهاج يتكامل فيه الديني والسياسي ولا يتناقضان، ويتبنى مبدأ عالمية الدعوة، وقطرية التنظيم مع احترام خصوصيات كل بلد، والاستقلالية الكلية عن الدعم الخارجي والأجنبي. فأراد الرجل بذلك أن يكون منهاج التجديد الإحساني ملتقى للطرق الفكرية السيارة العابرة للحدود الجغرافية والسياسية والقومية والمذهبية والطائفية، وبذلك استطاع مد جسور التقريب والجمع والتأليف بين فرقاء الأمة المسلمة المشتتة المستضعفة.

وقد بدأت مراكز وجهات علمية وأكاديمية مغربية وعالمية برفع الستار وكسر الحصار والتعتيم التسلطي، والتشويه المضروب على فكر الإمام الراحل وجماعته ومشروعه الرسالي للناس بالدراسة والبحث والتدبر في نظريات وتجربة ومنهاج الرجل الرباني المجاهد، الزاهد المتواضع، المبشر للعالمين بغد أكثر عدلا وإيمانا أساسه الصدق والبذل والعمل المنظم وشرطه التربية الفردية والجماعية أولا ووسطا وأخيرا، لكن في صحبة الصالحين ومعيتهم الى أن ينجز الله الملك الوهاب وعده للأمة الاسلامية بالنصر والرخاء والاستخلاف في الأرض، وعد الخلافة الثانية على منهاج النبوة:  خلافة عز ورخاء وعدل يفرح بها ساكن الأرض وساكن السماء، ويدخل تحت ظلالها دين الله كل بيت وبر ومدر في العالم، ويختبئ في أيامها اليهود وأعداء الأمة وراء الشجر والحجر أذلة صاغرين! كما جاءت بذلك الآثار النبوية الصحيحة المبشرة، إن الله لا يخلف الميعاد.

وإذا كانت الخلافة الثانية محل ريبة عند بعض علماء المسلمين، ومحل تصور ساذج عند بعض الخوارج المتنطعين، ومحل تصديق متذبذب غامض عند بعض الإسلاميين فإنها أمر عظيم عند مرشد العدل والاحسان. وذلك لأنها محل وعد نبوي صادق، وبشارة دائمة لمستقبل المسلمين، وموضع إلهام وتثبيت للمؤمنين العاملين. وقد قام لله بها وقام لها وقام بين يديها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله صابرا محتسبا، ومنظرا داعيا وعاملا، ومخططا منفذا، ومربيا ناصحا دون انتظار سلبي عاجز، ولا تمن متواكل، بل على أساس مشروع عملي مشارك ومؤسس للبنات الأولى لصرح الخلافة الثانية عبر إحياء المنهاج النبوي الهندسي التربوي الكفيل ببعثها من جديد وبالتدريج كما تأسست أول مرة كيانا “فيدراليا” مرنا وجامعا لشتات المسلمين.

إنه اليقين التام الملهم إذن، ووضوح الرؤية الإحسانية ونصاعتها حول حق وحقيقة الخلافة الثانية الموعودة هو ما تميزت به دعوة العدل والاحسان، وقومة الرجل الصالح المبشر، والمبشر للمسلمين تبشيرا ليس فيه عنده أوعند جماعته مثقال ذرة من شك ولا توهم. بل كان اليقين الذي أوتيه واحدا كذلك من أعظم أسرار التوفيق والإلهام والثبات والإنجاز.

ولكن الرجل رغم ذلك مافتئ يوصي ويذكر بأن غاية الغايات هي الله جل جلاله، وأن الخلافة نفسها وعلى عظمة أمرها، إنما هي دنيا زائلة في حق من اشتغل لها كغاية، فانشغل بها عن ابتغاء وجه الله والشوق إلى لقائه سبحانه عز وجل.

رحم الله تعالى الإمام الرباني المجدد عبد السلام ياسين رحمة واسعة ونفع بعلمه وجهاده وجهوده وثمار دعوته.
 

أضف تعليقك