وهن وإهانات

وهن وإهانات

افتتاحية العدد الثاني من مجلة الجماعة

رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود من حديث ثوبان: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها”. قال: قلنا: “يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟” قال: أنتم كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن”، قال: قلنا: “وما الوهن؟” قل: “حب الدنيا وكراهية الموت”.
وشاء الله عز وجل أن يذيق العرب هواننا على أيدي أحقر أعدائهم لما كان حرصهم على الحياة، أي حياة، أكثر تمكنا من قلوبهم وعقولهم من المبادئ العليا التي تنكروا لها ومن معاني الرجولة التي نسوها، دقت طبول القومية على يد العبد الخاسر في مصر، فقام بهياجه بعد أن ذبح المسلمين، وزعم أنه رجل المهمة الكبرى مهمة تحرير القدس، ارتمت تلك العروبة الهائجة في أحضان روسيا ليصول بها الذئب الصهيوني وهي خانعة تستغيث، وكانت هزيمة حزيران، أخزى الله فيها عروبة غثائية، فشلت الأخوة القومية بين العرب في النهوض بواجبها حتى اختل توازن مصر الاقتصادي والاجتماعي، وفشلت سياسات القومية لأنها كانت ولا تزال سياسات عشوى حتى وقفت على أبواب مصر جحافل الفقر والتطاحن الاجتماعي، وحتى توقفت الآلة أو كادت، عندها عاد القادة الغثائيون ليرتموا في أحضان أمريكا ويستكينوا للمهانة القصوى مهانة الاستسلام لشروط الصهاينة.
إنها نتائج منطقية: أعز الله العرب بالإسلام كما قال عمر، فلما ابتغوا العز في غيره ذلوا، وبعث الله فيهم رسوله بالهدى ودين الحق، فلما نبذوا ما جاءهم من الحق واستعاضوا عنه بالأفكار المسخ ضلوا.
تتوجه الأنظار وتشير أصابع الاتهام إلى أنور السادات الذي يزال الممثل الرئيسي في مسرحية الهوان، وكذك عهدنا بالإعلام المبني على الانفعالات، لا يميز بين مظهر الأحداث وخلفياتها، من كتب سيناريو المسرحية؟ من ألف الحوار ووزع على الممثلين أدوارهم؟ من أخرج التمثيلية المؤلمة التي بيعت فيها كرامة العرب وديست فيها مقدسات المسلمين ثم ما دور هذه الزعامات العربية التي وجدت اليوم في البئيس من كبش الفداء، تلعنه ملء الفضاء حتى تلجئه إلى قطع صلات مصر بالعرب أجمعين؟
إن الاستسلام للصهاينة وأمريكا مثل الاستسلام أمس لروسيا لا يعني إلا شيئا واحدا، هو فشل العرب في مسارهم القومي، وهل نرضى للعرب فشلا وهوانا ! كلا ! وإنما نريد لهم العزة والفلاح، نريدهم أن يكتشفوا عزهم الغابر ويستجدوا لهم عزا بتقمص شخصيتهم الحق، إنما العرب مسلمون، أنساهم إسلامهم ركض غير واع ولا مبصر في عرصات الفكر الجاهلي وممارساته اتباعا لقيم الحضارة المادية السائدة، والعرب لن يعودوا إلى مجدهم إلا بفتح قلوبهم للأخوة الإسلامية والتضامن الإسلامي، وعقولهم للهدي المحمدي، في أذهان طائفة من العرب المحتلة قلوبهم وعقولهم يلوح سراب الوحدة العربية، ونحن نطلب للعرب وحدة ونرجوها ونتطلع إليها، لكن هذه الوحدة ستظل سرابا وحلما ما دامت قواعدها لا ترسو على شيء أكثر تماسكا وأسمى غاية من قومية الدم واللغة والوطن.
نريد وحدة إسلامية في وجه القوى المتداعية علينا من كل الآفاق، ولا بأس إن اضطررنا للبدء بوحدة الأقاليم الإسلامية ومن ضمنها الإقليم العربي.
العروبة كمسؤولية عن الإسلام: مرحى وحيهلا !
لكن عروبة الكراهية والضيق القومي والاعتزاز بما هو مصدر لهواننا كلا ثم كلا !
العرب اليوم أموال وسلاح وأعداد غثائية، دولارات بالملايين تنفق في سبيل الشيطان على موائد القمار وفي مواخير العالم، سلاح في نحر الشقيق والجار، بأسهم بينهم شديد، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، أعداد الشعب بائسة جاهلة تساق من فوق سوق الأغنام، أزمات في الحكم، أزمات في الاقتصاد، وما مخرج لنا إلا بالجهاد الإسلامي.
إن هذه القضايا التي تفرق صفوف العرب ما هي إلا قضايا قيادات منعزلة عن الشعب العربي المسلم، لا يزال، ووصاية القيادات على الشعب المسلم التائق إلى الإسلام تتخذ من جملة وسائل التخدير، عن وعي منها أو عن غير وعي، نصب تمثل الشيطان في شخص واحد منهم، ومتى رجم الشعب العربي خارج مصر شيطان الاستسلام مدة كافية فقد استراح ذلك الشعب من شعوره بالهوان وصرفت أنظاره إلى وعود بالنصر على يد “المنقذين الأباة” وعود سرابية ودوران في اللامشروعية، في الحكم القائم على الاستبداد السائر في ركاب الجاهليات.
والمسلمون في فلسطين المحتلة، والنصارى أيضا: فهم كانوا عصور طويلة أفرادا مصونة حقوقهم في ظل الحكم الإسلامي، يصلون عذاب الصهاينة ويتجرعون كأس الهوان مترعة.
للعرب أموال لا تنفع يبذرها السفهاء وقد أمرنا نحن الأمة الإسلامية أن لا نترك أموالنا يلعب بها سفهاؤنا.
العرب كانوا إخوة بالإسلام، وويلات القومية اللايكية تصب على رؤوسنا وعلى يد المارونيين وحلفائهم الصهاينة قذائف من صنع حلفاء العرب في أمريكا.
العرب كثير لكن ذرية خاسرة باعت ضميرها لشرق الجاهلية أو غربها تقود سفينة العرب إلى الهاوية، تقود الشعب المسلم وقد ألبسوه أسمال القومية والكراهية إلى حيث يركع أمام واحد من الحليفين –العدوين الجاهليين ولأننا لم تعلمنا القومية اللائكية الفاشلة كيف نصبح رجالا نعبئ قوانا لنحارب أعداءنا فنحن في مهب الرياح، وسيخلف زعيم مصر في الفشل رقم اثنين زعيم على صورته تذروه الريح في حركة ثالثة ما لم يقم الشعب المسلم ويمسك الزمام ويمل إرادته على التاريخ.
غاية واحدة تجمع العرب بالمسلمين: الله.
وسيلة واحدة وأسلوب عمل واحد يعز بهما العرب والمسلمون: الجهاد في سبيل الله.
مبدأ واحد، حاكمية وقيادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وبعدها نقرب المناظر لنلقي نظرة قريبة على ظاهرة من ظواهر المجتمع الغثائي، مجتمع الكراهية والهوان.
في المغرب شن رجال التعليم حركة إضراب بقيادة أحد الأحزاب السياسية.
ولقي الإضراب فشلا ذريعا لما حملت الحكومة عصاها الغليظة.
كل هذا من مقتضيات الصراع: أن تنقاد الجماهير لكل قيادة لها صوت وتنظيم، وأن تصطدم الجماهير بأداة القمع الحكومية.
والذي لا يقاس بالمقاييس السياسية وإنما يدخل في حساب الفشل الخلقي والحضاري العام هو أن يهان رجال التعليم ويساموا الخسف ويذلوا إذلالا.
إننا نؤيد حقوق العمال والموظفين في الإضراب، ونعتبر بعد ذلك أن العامل في بيئة الاقتصاديات المنهارة رجل محفوظ، وأن الموظف محظوظ مرتين، فهناك الشعب في أسفل السلم يعيش على الفتات.
ومع هذا فإن رزية الشعب في رجال التعليم هي أعظم رزية، إذا أهين المسلم وسب ولعن حتى جرحت كرامته الجرح الذي لا يندمل فإنما أهين الشعب وديست كرامته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني عن أبي ذر: “من أصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شيء، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا”.
نعت المعلمون في محافل الخزي أنهم مرتزقة، وأنهم وأنهم، وليت شعري ما نصيب هذه الطائفة من موظفي التعليم من الرزق العام لو كان عدل وكانت حرمة ترعى لمن يمضي وقته في خدمة أطفالنا وشبابنا:
وخذل المعلمون وطردوا لأن النقابات النقابية والنقابات السياسية ما اهتمت بالأب الذي بات في السجن وترك عيالا جياعا.
وأذل المسلمون وهم لم يعطوا الذلة من أنفسهم إلا بقدر ما اغتروا بالزعامات لتي ليست منهم.
الإسلام يريد رفع الهمم عن التفاهات المادية، لكن بعد إرضاء حاجات العيش للشعب كله، والإسلام يبني على هذا التكافل المعاشي تضامنا أخويا بين المسلمين ثم اعتزاز بعزة الإسلام، وحدة على مستوى العدل الاجتماعي تتلوها وحدة سياسية فاستغلال يضمن للفرد كرامته وللأمة سيادتها.
وهن وإهانات: عود في الجزئيات على بدء في الكليات !
لا الأفراد تضمن كرامتهم في مجتمع الكراهية ولا الدويلات المتفرقة الغثائية قادرة على الاستقلال في مواجهة الأحداث.
وبعد فقد صدر العدد الأول من هذه المجلة بعد سنة من المحاولات عاقتنا فيها عن الظهور عراقيل إدارية مقصودة ثم إعراض المطابع عنا، وصدر العدد الأول وعلى وجهه ندب الأغلاط المطبعية كأنما يصرخ بيتم الكلمة الإسلامية في سوق الكلام وبقلة النصير.
وها نحن نحاول الصمود ونستدعي الجهود.
وفاتنا في العدد الأول أن ننوه بالصحيفتين الإسلاميتين اللتين كان لهما الفضل في بث كلمة الحق قبلنا:
1. “النور” يصدرها في تطوان أخونا إسماعيل الخطيب ومن حوله نخبة من المومنين.
2. “النصيحة” يصدرها من شفشاون أخونا علي الريسوني.
فنحيي الذين سبقونا بإيمان وندعو الله عز وجل أن يكلأ الصادقين بكلاءته وأن لا يجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا.
فإنما رصيدنا محبة الله ورسوله والمومنين.
-مجلة الجماعة العدد 2-

أضف تعليقك