نماذج من حب السلف للنبي صلى الله عليه وسلم

نماذج من حب السلف للنبي صلى الله عليه وسلم

قال ابن القيم رحمه الله: كان الصحابة يقونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب بنفوسهم حتى يُصرعوا حوله”.
فهذه امرأة من بني دينار، أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد، فلما نُعوا لها، قالت: “فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟” قالوا: خيرًا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت:” أرونيه حتى أنظر إليه”، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت:”كل مصيبة بعدك جلل”، تريد: صغيرة. رواه ابن إسحاق رحمه الله. قال ابن هشام: “الجلل يكون من القليل ومن الكثير، وهو هاهنا القليل”.
وهذا زيد بن الدَّثِنَة رضي الله عنه كان أسيرًا في مكة، فبعث به صفوان بن أمية بن خلف مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم ليقتله بأبيه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قُدِّم ليُقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال زيد: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، ثم قتله نسطاس.
أخرج بن مردويه رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله! إنك لأحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك..”.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: “والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ أن أصل من قرابتي”.
أخرج الترمذي رحمه الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبيه: لم فضَّلْت أسامةَ عليَّ؟ فوالله ما سبقني إلى مشهد، قال: “لأن زيدًا كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وكان أسامة أحبَّ إلى رسول الله منك، فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي”.
أخرج بن مردويه رحمه الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للعباس رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم: “أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إليّ من أن يسلم الخطاب”، وما ذاك إلا لأنه كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرج مسلم رحمه الله عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: “وما كان أحد أحبّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه”.
وقال إسحاق التجيبي رحمه الله: “كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا”.
قال القاضي عياض رحمه الله: “وكذلك كثير من التابعين، منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقًا إليه، ومنهم من يفعله تهيبًا وتوقيرًا”.
وقال مصعب بن عبد الله رحمه الله: “كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك، فقال: “لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليَّ ما ترون، ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا وإما صامتًا وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيُنظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع، ولقد رأيت الزهري وكان من أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه”.
وقال القاضي عياض رحمه الله: “فالحقيقة من أحب شيئًا أحب كل شيء يحبه، وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس، وقد قال أنس حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة: فما زلت أحب الدباء من يومئذ. وهذا الحسن بن علي وعبد الله بن عباس وابن جعفر رضي الله عنهم أتوا سلمى رضي الله عنها وسألوها أن تصنع لهم طعامًا مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل نحو ذلك”.

أضف تعليقك