سلوك المؤمنة إلى الله

سلوك المؤمنة إلى الله

إن اتباع هوى النفس يحجب نور اتباع السنة الشريفة فيفنى عمر المرء في إعراض وغفلة. ما السبيل إلى أن يكرمنا الله سبحانه بنفحات فضل من حضرته، ويقربنا إلى ساحات رضوانه، ويسلك بنا مسلك الأحباب، ويجعلنا من خواص أهل الاقتراب، ويفتح لنا الباب، ويحرك فينا همة الإقبال عليه، والتذلل بين يديه؟

معنى السلوك إلى الله

قال الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني سورة يوسف، الآية 108. فالسلوك إذن سير قاصد غايته الله تعالى، ووسيلته صحبة تسندك وتدلك. سبيل قليل روادها كثير قطاعها ليست بالسهلة المعبدة، بل دونها نتوءات وعقبات تحتاج إلى اقتحام، ولابد فيها من علامات تضمن صحة المسير، وتحميه من زيغ الهوى وتخبط البدعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق” 1. الصوى جمع صوة وهي الحجارة التي تعلم بها الطريق.
أن تجد المؤمنة باعث الإرادة في قلبها، وشوقا للإقبال على ربها، وحبا في طلب رضاه، وتحققا من مقام العبودية له سبحانه، ورغبة في تطهير النفس من رعوناتها، والأعمال من قوادحها، فذاك محض سلوكها.
يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ألا إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها”، 2 توجيه نبوي كريم رحيم لاغتنام فرص التعرض لنفحات رحمة الله وحسن تأييده، وتعبيده الطريق للارتقاء في مدارج قربه.

أول السلوك توبة تفرح المنان

التوبة قلب دولة… قلب دولة النفس الأمارة بالسوء لتذعن لأمر ربها وتستجيب لداعي التقوى، ولعالم السر والنجوى، صدقا وعدلا، فكانت بذلك التوبة أول مقامات الإحسان حتى قيل، “من لا توبة له فلا سير له إلى الله”.
توبة تورث ذلا وانكسارا، وخشية وافتقارا، وحياء وتطهيرا، تهيئ إلى منزلة المحبوبية عند الله المنان. عند الشيخين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: “لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية (قاحلة) مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ، فإذا راحلته عنده، عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده”.
الله الله من توبة تفرح الله الكريم المنان، وترفع إلى مقام المحبوبية إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.سورة البقرة، من الآية 222.
الله الله من توبة مؤمنة دفعها حب الله، والحياء من الله، من التمادي في حياة الغفلة والدعة والكسلان إلى طرق أبواب الرحمن، بهمة متقدة وإرادة متحفزة وقلب متيقظ مشتاق.

يا رب من أصحب؟ من الدليل؟

كلمات منيرة صادقة أطلقها الشيخ عبد القادر الجيلاني وهو يوجه إلى ضرورة الوقوف بباب الرحيم الهادي سبحانه، يستخار، جل وعلا، عند نوم العيون وسكون الجفون، يخاطب فيه الرجال وإن النساء لشقائقهم: “ثم تقبل على صلاتك، تفتح باب الصلاة بطهورك، وباب ربك بصلاتك. ثم اسأله بعد فراغك، من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك… هو كريم لا يخيب ظنك”. 3
أعظم السلوك سلوك الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم، سادة الأمة ومناراتها، فضلوا الناس بتلمذتهم المباشرة للحبيب المصطفى صلى عليه وعلى آله وسلم، فرشفوا من معين صدقه، وعظيم فضله، وقوة عزمه، وجميل طبعه، ورحيق علمه.
ما فتئ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحثهم على مجالس الخير والنور، وأماكن الفرح والحبور، مواقع النجوم الهادية والصحبة المباركة الطيبة كما في الصحيح: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” 4 حتى صار ديدن من تربى في حجر النبوة ومن تبعهم بإحسان، البحث عن هذه التلمذة النورانية. روى الإمام مالك في الموطأ والحاكم وابن عبد البر بسند صحيح عن أبي إدريس الخولاني أحد كبـــار التابعيــن قــــال: “دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براق الثنايا، والناس حوله فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا من رأيه فسألت عنه فقالوا: هذا معاذ بن جبل، فلما كان الغد هجّرت إليه فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه، فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك في الله فقال: آلله فقلت آلله، قال آلله فقلت: آلله فقال: الله فقلت الله، فأخذ بحبوة ردائي إليه وقال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى:” “وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في”. 5
فلا غنى للسالكة عن المحبة في الله، والتزاور في الله، والتباذل في الله، والصحبة في الله من يدلها على الله، فتلك وصية نبوية عظيمة لمن أراد الفلاح، وإن المرء مع من أحب.

الأصل في الإقبال على الله اتباع السنة والعمل بالشريعة

لا عمل للمرء يرجى عند ربه إلا إذا ارتبط بما أمر سبحانه، بما دل عليه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تعرض المؤمنة عملها على شرع الله لتستبين ما تفعل وما تذر، تحاسب نفسها لتأتي ما يسر ولا يضر، وتستيقن أن العمل وسيلة لا غاية، قال الإمام عبد القادر الجيلاني: ” بك لا يأتي شيء ولابد منك “، به تظهر المؤمنة الطاعة، وتتذلل بين يدي المولى، تسترحمه، تستعطفه، تستغفره وتنكسر بين يديه طلبا لوجهه العظيم، وأعظم بها من طلبة، تسأل ذا الجلال خواص المراتب العوال، وقلبا يسعى إلى التطهير، ونفسا تصدق معه في المسير، تتذلل إليه ألا يدع فيها بقية إلا ملأها بسرابيل أنواره، وأردية جوده وكرمه وإحسانه.
ومع العمل، تخليص الوجهة للحق سبحانه وتعظيم النية، لنيل محبته وقربه بالاتباع، فالله أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وعلى وفق مراده جل وعلا.
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله سورة آل عمران الآية31 ومع هذا وذاك، ان تحرص المؤمنة دائما على شكر المنعم على ما تفضل به عليها من حسن التوفيق، مع الحذر من الاغترار بكثرة الطاعة، فتظن من نفسها الكمال، مع حرصها على إدراكه، فـ”رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا” كما قال ابن عطاء الله السكندري في حكمه، ولعل في قصة أبينا آدم الذي نسي فعصى، وإبليس الذي استكبر وأبى، أعظم العبرة.

إحسان التبعل وإكرام ذوي الرحم باب عظيم من أبواب السلوك إلى الله

في رسول الله صلى الله عليه وسلم البر الرحيم المعلم الكريم، خير أسوة وأعظم قدوة في الإحسان إلى الأهل والقرابة وخلق الله كافة.
عند أبي داود 6 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه، ثم أقبلت أمه من الرضاعة، فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه، وقال لمن أراد أن يتوب من ذنب عظيم أصابه: “هل لك من أم؟” قال: لا، قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم قال: فبرها” 7سبحان الله، إحسان يورث ارتقاء، وتوبة يقبلها الغفور بإكرام ذوي الرحم، ثم دماثة خلق تورث عند الله سبحانه قرب منزل من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث.
أخلاق تزداد إليها الحاجة إن كانت مع أقرب المقربين: الزوج، وزوجه.
من يعلم الأزواج إذن أن إحسان بعضهما إلى بعض باب عظيم من أبواب الإقبال على الله؟
من يعلم الأزواج أن الارتقاء في مدارج الإحسان لا يكون بكثرة الصيام والقيام والذكر والاستغراق في العبادة، وكل حق، والقلب خواء من الرحمة، والمرء بعيد عن عظيم الخصال وجميل السجايا؟
من يخبر الأزواج والزوجات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكون في مهنة أهله (المهنة: الحذق بالخدمة) حتى إذا حضرت الصلاة خرج إليها، وأن الزهراء سيدة نساء العالمين، كانت تخدم أهلها حتى أثر حبل القربة في نحرها الشريف، ومجلت يدها من شدة الطحن، فدلها صلى الله عليه وسلم لما سألته الخادم على التسبيح والتكبير والتحميد هي وزوجها إذا آويا إلى الفراش.
ما أعظم هذا الدين! ذكر الله ييسر به الله العمل، وخدمة تقرب إلى الله زلفى وحسن مآب.
تجدد المؤمنة النية، فتنقلب العادة عندها إلى عبادة، تعبد الله وهي تصوم وتصلي وتذكر ربها وتعتني بكتابه وتصبر على الطاعة، تعبد الله وهي في خدمة أهلها، وهي تصون أبناءها وتربيهم، تعبد ربها وهي تكرم قرابتها وتتزين وتحسن تبعلها وتدخل الفرحة على من حولها… في كلٍّ قربة وسلوك. عن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لقي أخاه المسلم بما يحبه ليسره بذلك، سره الله عز وجل يوم القيامة”. 8

خصائص السلوك إلى الله عند المؤمنة

سلوك المؤمنة سلوك قرآني نبوي: مستمد من نور الكتاب ومشكاة النبوة، ومتشوف إلى الهمم العالية التي تشبعت من أنوارهما من ذاك الرعيل الأسمى من الصحابيات الجليلات اللاتي وعين حقيقة المسير وتذوقنه من الصحبة المباركة لخير البرية صلى الله عليه وسلم، فعرفن الله بطريق العبودية والتقرب إليه بالفرض والنفل والانضباط لشريعته.
إلا أن انتماء المؤمنات إلى الله عز وجل بوحدة السلوك الإيماني الأخلاقي لا يعني ألا وجود لهن في دنيا الناس، بل بالعكس يعني أن يلتحمن في سلوك جهادي جماعي.
سلوك قاصد: غايته إرادة وجه الله تعالى وترك ما سواه من الأغيار، دون التفات إلى كرامة، وهي حق وأمارة على صحة المسير، حتى لا تلهي عن الوجهة العظمى والطلبة الكبرى والمقصد الأسنى، ودون الاكتراث للدين البالي والأعراف الرثة المخالفة لمقاصد الدين السامية، مرمى طرف عينها قول الحق تبارك وتعالى آمرا: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. سورة الأنعام، الآيتان، 164، 165.
تغرف المؤمنة من نهر الإيمان بشعبه، وتتحدى عوائق الأنانية والانتماءات السطحية لتكون كلا لله.
سلوك جهادي لا تبركي: لا تغفل في خضم اشتغالها بتجديد دينها وتزكية نفسها وتحليتها بالفضائل وتخليتها من الرذائل، عن دورها المحوري في صناعة التغيير وبناء الأمة، فهي راعية ومشاركة وحامية ومكلفة وأمينة ومسؤولة، يقع عليها القسط الأكبر في المحافظة على الدين، فهي نواة الأسرة ومربية الأجيال، ولا سلوك لها دون حفظ أعلى مقصد من مقاصد الدين بل وإيجاده، لأن عليه يترتب حفظ فطرة الله تعالى، ونشر رسالته وخدمة أمة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم.
إلى الكاملات المنورات تتطلع همتها، وعين قلبها لا تغفل عن تعلم وتعليم الاقتحام كسبا للقوة في دنيا الخلائق. بهذا وحده تتحقق التعبئة الجهادية وتراعى صيرورة الأمة ويتحقق عزها في غير ما غفلة عن التهمم بالمصير الفردي للمؤمنة الطامحة للكمال.
غفلت المؤمنة إن ظنت أن الصحبة القاعدة عن التهمم بأحوال الأمة بها يحصل الكمال، بل العزم العزم على التشمير عن ساعد العمل، والانخراط التام في إصلاح النفس وتزكيتها، والتهمم بحال الأمة ومآلها.
سلوك جماعي: يضم من اختاروا السير إلى الله تعالى والسعي للآخرة والجهاد في سبيل الله، في انضباط تام بضوابط الشرع، متآزرين متصافين عاضين بالنواجد على روح الولاية بين المؤمنين والمؤمنات، ومتحررين من كل عبودية إلا العبودية لله الواحد القهار، غايتهم إقامة الحق ونصب ميزان العدل، ووسيلتهم الدعوة إلى الله تعالى أمرا ونهيا بالحكمة والموعظة الحسنة.
وقد شهد كل عصر ومصر ظهور وليات لله تعالى سارت بذكرهن وتعداد كراماتهن الركبان، وإن حفظن جوهر الدين وصن لب التربية، ونورن جوانب حياتهن بأنوار التبتل والخضوع لله تعالى الواحد، إلا أنه وللأسف وبتأثير من الواقع المحيط، كان سلوكهن فرديا في الكثير من حالاته أكثر منه جماعي، أو قل مهتما بالخلاص الفردي أكثر من اهتمامه بالخلاص الجماعي.
سلوك جامع: لا يعتني بجانب من جوانب المرأة المسلمة بل يحيط بكل مجالات حياتها ويلامسها، فكما يروم تحقيق كمالها التربوي، يحرص على إدراكها حظها الوافر من الكمال الخلقي والعلمي والجهادي والوظيفي. خمس كمالات لا غنى لها عنها ولا محيد، وبها تتحقق شخصيتها المؤمنة الكاملة المتميزة تشبعا بالتربية الإيمانية وبالأخلاق النبوية البعيدة عن جفاء الأعرابية المقيتة، وتمثلا للعلم النافع المقترن بالعمل الذي يحمل على اتخاذ الصف الملائم في جهاد الدعوة والبناء بعد أدائها لكمالها الوظيفي باعتبارها حامية للفطرة وصانعة للأجيال القوية المؤمنة.

همسة

رجاؤنا من هذه الكلمات، خطب ود كل مؤمنة راجية ما عند الله تعالى حتى تشتبك أيدينا بيدها، فنجلو عنا غسق الغفلة والظلمة وخمول الكسل والدعة، لتنجمع همومنا وتتوحد، تطرق اليقظة أبواب قلوبنا، لنهبّ معا نحاسب النفس ونراجع ونتابع، ونتخطى عقبات النفس الأمارة بالسوء وعقبات التقليد والتسطيح والتجزيء، عسى حرقة الشوق وهبة الفؤاد وسلامة القصد، تثمر يقظة إحسانية، تجعل قضيتنا مع ربنا أم القضايا، وحسن الخلق أحسن المطايا التي تسلك بنا إلى أعظم غاية وأكرمها: إرادة وجه الله العظيم.


[1] رواه الحاكم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] ذكره الغزالي في الإحياء، وقال العراقي في تخريج أحاديثه: رواه الترمذي الحكيم في النوادر، والطبراني في الأوسط من حديث محمد بن مَسْلَمة، ولابن عبد البر في التمهيد نحوه من حديث أنس رضي الله عنه، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الفرح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[3] الفتح الرباني ص 330
[4] أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، رقم (4833)، والترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في أخذ المال، رقم (2378)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم: (3545).
[5] أخرجه الإمام أحمد رحمه الله كذلك في مسنده رقم 22083 بسند صحيح
[6] رواه أبو داود 5145.
[7] رواه الترمذي رحمه الله عن ابن عمر ضي الله عنهما، وصححه الألباني في “صحيح الترغيب” 2504.
[8] أخرجه الطبراني رحمه الله في الصغير.

أضف تعليقك