قضايا المنهاج « Questions de Méthode »

قضايا المنهاج « Questions de Méthode »

قضايا المنهاج (1/2)

هذا المقال ترجمة للفصل « Questions de Méthode » من كتاب« La Révolution à l’heure de l’Islam » للأستاذ المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله.

ترجمة الأستاذ حسن مودن
من أجل سبر أغوار شخصيتنا الحقيقية، ومن أجل المرور من الأماني إلى الفعل الإرادي، ومن الانفعالات العاطفية إلى البواعث السامية، ومن حقائق الحاضر المحزنة إلى مستقبل يشكل قطيعة مع واقع الفتنة واستمرارا للبحث عن نموذج إسلامي، ينبغي طرح قضايا وأسئلة المنهاج. هذا الطرح يكتسي من الأهمية ما تكتسيه معرفة كنه الإسلام؛ إذ من الضروري مساءلة الماضي والحاضر بالقدر الذي من الضروري إيجاد طريقة لإقامة جسر نحو المستقبل، كما أن هذه القراءة النقدية تمنحنا فرصة تسليط الضوء على المخلفات الناجمة عن الفتنة وعلى إمكاناتنا لعلاجها. إن المنهجية الماركسية الجاهلية الآفلة في الغرب مازال لها وقع كبير في قلوب وعقول المستلبين من بني جلدتنا. وهذه المنهجية غير قادرة بدءا لخدمة بحث يتسم بالعمق والسعة. ذلك أن واجبنا يقتضي دراسة الإنسان في كل أبعاده، بينما المنهجيات الجاهلية لا تلامس إلا بعدا واحدا هو البعد المادي في الإنسان. فلطرح كل القضايا بعمق وبمقاربة منهاجية لا يكفي بحث حركية التاريخ أفقيا -وهي مهمة تختص بها الجدلية الماركسية- بل ينبغي القيام بدراسة عميقة لحركية الناس الذين لديهم كذلك أحاسيس ومثل وتطلعات إحسانية وأحلام. لذا ينبغي وضع هذه الأيديولوجيات الأرضية التجزيئية والتسطيحية على الرف جانبا مع الأدوات البالية والعتيقة في هذه الأزمنة، أزمنة التحول التكنولوجي والإبستيمولوجي. والجاهلية الغربية هي الأخرى توافقنا الرأي في ذلك عندما تتنبأ، وهي محقة، بأفول الإيديولوجيات بفعل طغيان وسيطرة التكنولوجيا.
كنا قد فسرنا في فقرة سابقة كلمة ” إيديولوجية ” طبقا للمنظومة والمرجعية التي تنتمي إليها بعيدا عن اتخاذ أي موقف من قبلنا مبني على المزايدات الإنسانية. لذا وللتمييز بين مفهومي الإيديولوجية والمنهاج نستعمل الكلمة الفرنسية « méthode » ترجمة للمصطلح القرآني منهاج الذي يتسع للمعنيين التاليين:
1- الطريق.
2- الوسيلة والطريقة لسلوك طريق ما.
في البدء تعني لنا مفردة المنهاج سيرا وحركة، نحن الذين عليهم مواجهة العقليات المعاصرة المدربة على ألا تفكر سوى بالمنطق الجدلي. لكنها تعني كذلك وبوجه خاص غاية وسلوكا واعيا ومنضبطا. لا تترك الجدلية المادية السطحية للإرادة الإنسانية سوى حيز صغير من بين القوى الفاعلة في العالم على خلاف المنهاج الذي هو انضباط وسلوك إرادي للإنسان، وهو بذلك يشكل نقيضا لتلك الإيديولوجيات الحتمية العمياء التي لا تعتبر الناس أفرادا ومجتمعا سوى صور باهتة تعكس تأثير الوقائع المادية. ثم إن الفلسفات الحتمية تتناقض فيما بينها وذلك عندما تبشر بتغيير مجرى التاريخ وعندما تضع له نهاية. فإذا كانت الثورات التي هُيئت وأنجزت وفق المذهب الجدلي المادي لم تستطع الوفاء بوعودها بالخلاص، وإذا كان ادعاء إجراء مراجعة لهذه الجدلية لم يتم، وإذا كانت الدولة الرأسمالية ازدادت قوة بدل الانهيار المنتظر لها، فلأن المنهجية المادية لا دراية لها بالمحركات الخفية لحركية التاريخ. والحالة هذه لا ميزة لهذه الجدلية الماركسية علينا في نهاية المطاف سوى أنها تقوم باختزال الواقع وتبسيطه بينما ينبغي لنا نحن أن نرى عمقه وسعته في زمن تجري فيه كل الأحداث بسرعة فائقة، وفي زمن الآفاق فيه معتمة ومستقبل أي مشروع للتغيير غامض.
النقد الماركسي للرأسمالية له أساس إنساني، وهو في ذلك محق بغض النظر عن لبوس العلمية التي يتزين بها في إعلاناته. لكن هذا النقد لا يتحدث عن النموذج الذي ينبغي أن يحل محل الرأسمالية ولو في خطوطه العريضة. تعتقد الماركسية بأن جميع المشاكل ستحل عندما تستبد الطبقة العاملة بالحكم وتلغي الملكية الخاصة. ثم لهذا التطبيق الجدلي ثقة في قدرات الحزب وفي عبقرية المنهجية الصراعية الخلاقة. هذه الإيديولوجية الماركسية هي بمثابة نقيض للرأسمالية مفتوح بابه على جميع التجاوزات. إنها صك وقع على بياض، وقعته البلادة الإنسانية المتوحشة المنقطعة عن الله لتمنحه للأجيال المضطربة، ومن بينهم أناس من بني جلدتنا، تحت ذريعة إزالة المظهر الرأسمالي لتلك الهمجيةّ، لكنها تقيم بدلا من ذلك همجية أخرى أكثر قبحا وبهيمية.
لكي ننتقد الجاهلية بشقيها الماركسي والرأسمالي، ولكي نعمق بحثنا عن إمكانات تجاوزهما، ولكي نطرح القضايا الجوهرية والإجرائية، فإننا لن نقتبس أدوات النظر والتحليل الأرضية القاصرة والكليلة لهذه الجدليات الضيقة والتسطيحية. بل سنعتمد على الاستعمال المتبصر للمؤهلات النقدية والبنائية لعقل منفتح على نور القلب ومفعم بنور الإيمان. إذ يتقاطع المنهاج الإسلامي مع المنهجيات البشرية فيما يخص استعمال أساليب البرهنة العقلية، لكن يتباين معها على صعيد الأهداف والصلة بنور الإيمان القلبي. فالمنهاج طريق صاعد له صوى ومعالم لكن تتخلله أشواك وفخاخ. إنه سير وسلوك نحو حياة مثالية تشجع على التطوير الداخلي لأي إنسان، وعلى الاكتمال الخلقي والكمال الروحي القلبي. تحدد الشريعة نمط الحياة الفردية للمسلم وتضع ضوابط للعلاقات بين الناس في أدق التفاصيل. وجود هذه القواعد الشرعية وتمسك الشعب المسلم بمضمونها هما اللذان يؤسسان لمشروع الثورة الإسلامية، وهما اللذان يضمنان إعطاء هذا المشروع الدفعة والنفس الضروريين لتحقيق النجاح. ليس مطلوبا منا ابتكار مضامين حضارة ولكن فقط العمل على تجسيد هذه المضامين وترجمتها على أرض الواقع. وليس مطلوبا منا أيضا عندما نخاطب غير المسلمين الذين يودون فهم الإسلام بشكل عقلي أن نقيم الدليل على أحقية ديننا باعتبار الأمر مسلمة على مستوى العقل الهندسي بتعبير باسكال. وإنما مطلوب منا دعوة هؤلاء إلى تذوق تجربة وجودية، ودعوتهم إلى تعاقد أولي يفتح القلب المقفل رويدا رويدا.
المنهاج الإسلامي عملية بنائية تصدر عن شريعة شاملة تستحضر الإنسان في كل أبعاده. لقد بات من المسلم به الآن أن هناك ثمانية مائة مليون[*] شخص على وجه الأرض يعتنقون الإسلام، كما أن الخصوبة المتزايدة للمسلمين بتوفيق من الله تضيف سنويا الملايين من الأنصار المفترضين لمواجهة الإمبريالية الجاهلية، ولمواجهة ممثلي الفتنة من بني جلدتنا المضطرين إلى الإفلاس السياسي والاقتصادي والأخلاقي لبعدهم عن الحق.
المنهاج تأويل وتفسير للنصوص الشرعية قصد التنزيل والتطبيق.فلتكون هناك قابلية لتطبيق هذا المنهاج ينبغي للنص القرآني كما عاشه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن ينفصل عن الاجتهاد المنبثق عن واقع الفتنة الذي عاشه المسلمون في الماضي والحاضر، وهو اجتهاد لم يجرؤ، على علاته، أن يتجاوز نصوص الوحي ولكن وضع لها باستمرار تفسيرا يبرر الوضع السياسي القائم لإنسانية تعيش الانحطاط والتدهور.
جدوى المنهاج الإسلامي لا تحتاج إلى دليل لأنه يرتكز على تجربة تاريخية روحية واسعة الانتشار الآن، ولأنه يستند أيضا إلى معجزة نجاح في الماضي قابلة للتكرار. لكن لإعادة تحقيق هذه المعجزة ينبغي تقديم هذا الفقه الإسلامي من منطلق استراتيجية الواجب الشرعي بوصفه مشروعا رصينا يستطيع اقتحام عقبة هذا العالم الموار بعناصر قوة قادرة على الفعل والتأثير في العمق، وذلك في أحلك الظروف وأشدها على الدعوة، لا بوصفه مجرد آلية للاعتراض السطحي على الأحداث.
يتبع
[*] – ملحوظة المترجم: كتب هذا النص في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

أضف تعليقك