المنهاج النبوي

المنهاج النبوي

لابد من العلم المسبق قبل الشروع في العمل، وعلى وضوح الرؤية وتكاملها يتوقف نجاح كل مشروع، سيما إن كان مشروع تغيير أمة من تخلف حضاري وفكري وخلقي وعسكري إلى قوة وتماسك. من تيه إلى رشاد.

ما من المسلمين العاملين المهتمين إلا ويحرص -إن لم يكن عمليا فنطقا واحتجاجا- على إثبات أن المبدأ والمنتهى في العمل لابد أن يجعل الكتاب الحكيم دستورا وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم نموذجا.

الكتاب خطاب للمؤمنين بالأمر والنهي والوعد والوعيد والهداية والموعظة لرفع همة الإنسان عن متاع الغرور، والسنة تطبيق عملي توضيحي لكل ذلك. كان المؤمنون المخاطبون بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تلقوا تربية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوحدوا على أعلى مرتبة من الإرادة والعزم والإقبال على الله، وتوحدوا على الفهم الكامل عن الله. فكان الكتاب العزيز دستورهم المطبق عن إرادة عالية ووعي وفهم كاملين يضبطهما حضور المعصوم صلى الله عليه وسلم.

واليوم لا توجد جماعة المسلمين المخاطبة بيا أيها الذين آمنوا القادرة، علو إرادة ونفاذ عقل، على تطبيق ما تؤمر به من جانب
الحق. ولا موحد بيننا معصوما فقد ذهبت النبوة. ولا غير معصوم لوجود دعوات متنافرات أحيانا مختلفات في درجة الإرادة الجهادية ودراية مناط أحكام الله.

فلكل من يرضى بالله ربا من المسلمين وبالقرآن دستورا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نقول: نعم: الكتاب والسنة. ولكن بأية إرادة وبأي فهم؟.
تنسيق الإرادة والعقل على خطة عمل سائرة إلى موعود الله مستنيرة منضبطة على كتاب الله وسنة رسوله هو ما نسميه منهاجا باللفظ القرآني. وبعض الناس يسمي بهذا الاسم البرنامج التربوي. فلنوضح المفاهيم.
عندنا البرنامج لائحة تفصيلية تطبيقية. برنامج تعليم. برنامج حكومة. برنامج اقتصاد.

أما المنهاج فهو طريقة العمل. من أين نبدأ وكيف؟ كيف نستعمل الوسائل لبلوغ الأهداف والغاية؟
بيننا وبين الحضارات الجاهلية تناقض أساسي. الوسائل البشرية والمادية واحدة. لكن الأهداف والغاية تختلف. الإنسان من حيث هو إنسان واحد في الجهتين. لكن عامل الإيمان يتدخل فيحدث تحول نفسي به يتفوق المؤمن وجماعة المؤمنين نوعيا على الكافرين والمنافقين بشرط إعداد القوة من عقلية فكرية وتقنية عملية تنظيمية.

فإذا تحدثنا عن المنهاج فإنما نقصد طريقة العمل ومضمون العمل التي تحول هذه الأمة المتخلفة من سقطتها التاريخية إلى مسار العزة بتربية جيل مؤمن كفء لإنشاء حضارة إسلامية متميزة على وجه الأرض محقة للحق شاهدة على الناس حاملة لرسالة الله.

يسقط المسلمون بإعراضهم عن أمر الله إلى المستوى الأدنى من التخلف الحضاري. ضيعوا رسالة الله فهانوا على الله فخذلهم الله. بفعل سفهائهم الذين حكموا فظلموا، وهيمنوا على أموال المسلمين فبعثروها، فسقوا في الأرض فتسربت من فسقهم وكفرهم جراثيم الفساد حتى عم البلاء.

المنهاج النبوي الموعود أن تقوم الخلافة به، كما جاء في الحديث الصحيح، هو الطريقة التي بها يستعيد المسلمون معاني الرسالة حتى يشخصوها ويبلغوها وينقذوا بها العالم. وتبدأ من تربية المؤمن كامل الإيمان، فإحلال المجتمع الإسلامي محل المجتمع الفتنوي، فإقامة دولة الإسلام. ويقتضي المنهاج النبوي تطبيق أحكام الله كلها بتدرج لكن بلا تحريف ولا مراوغة.

أضف تعليقك