الحج تربية

الحج تربية

قال الله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ المَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن69كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ . إلى أن قال عز من قائل: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. البقرة،203-197.

الرفث: الجماع والحديث عنه، الفسوق: الخروج عن حجر الشرع وضوابطه. الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة كما قال الراغب رحمه الله.
فالحج اختيار وتقوية وتدريب لقدرة المؤمن على ضبط شهواته وجوارحه، أشد ما يكون الجسم تحملا لمشقات التنقل، وأشد ما تكون النفس حرجا من الغربة والزحمة.
والعمرة كذلك، إلا أنها أقل وطئا.

إنها مدرسة الصبر. منهاج تربية. إخراج للمرء من عاداته وأنانيته وإلفه ورخاوته إلى التقيد بالشرع في الحركة والكلمة والخطرة، إلى التواضع والتخلق والتحمل.

الجسم في امتحان وشدة. فتضطرب النفس حين يضيق عليها في رفاهية مركبها. نقلة وانقلاب في العادات لتنقلع النفس عن أرض كسلها وعبثها وارتفاقها. وذكر الله هو الهدف والزاد.
خمس مرات يتكرر الأمر بذكر الله واستغفاره في هذا السياق من سورة البقرة. وينتهي بالتوجيه إلى التقوى ومراقبة الله الذي إليه نحشر.

إنه استنهاض للنفوس أن ترتفع عن صغائر الأمور وسفسافها إلى التجرد عن الماديات، بالتقلل منها، والصبر على دواعي الغضب ونوازع الشهوة.
ثم إن الحج تربية -لو كان الحج لم تدخله الأنانيات الخصوصية لتمزق المسلمين وغياب الدعوة- للروح الجماعية، لرابطة الأمة الواحدة.

الوقوف بعرفة، في بقعة واحدة، في يوم واحد، في اتجاه إيماني واحد.
جعل الحج ليشهد المسلمون -أي ليحضروا- منافع لهم. قال الله سبحانه وتعالى يخاطب إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ الحج،27.

وأي منفعة أعظم للمسلمين من جمع شملهم ليتأتى لكل منهم ذكر الله ومعرفته، ليتأتى للأمة أن تسمع رسالة ربها للعالم، وتكون بوحدتها من القوة بحيث يحترم صوتها ويقدر؟

يتخذ جند الله الحج، وهو الفريضة الركن، مناسبة لتنظيم رحلتهم. والرحلة والمناسك مناسبة لتحصيل منافع التعارف والصحبة، والتدريب على الصبر. ثم لنشر الدعوة، وإفشاء روح التجديد في الشعوب الإسلامية الممثلة في الموسم بمستضعفيها.

وكما يستعمل الإسلام الرسمي الجبري ممثليه في توطيد الدعاية للحكام الجبريين كذلك نبث نحن روح التجديد بوسائلنا.
إلى أن يأذن الله بتحرير الحرمين فيعود إلى الحج معناه الذي كان له في حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حجات خلفائه الراشدين.

مجلة الجماعة العدد 11 )

أضف تعليقك