امرأة محررة ومسؤولة

امرأة محررة ومسؤولة

مقياس كاشف

مؤشرات عديدة تمكننا من قياس مدى خطورة انحرافاتنا السياسية. فوضع المرأة يمثل شهادة واضحة على هذا الانحراف وانعكاساته على جميع مظاهر حياة المسلمين باعتباره مقياسا حاسما لانحطاط أو تحضر الشعوب. وذاكرتنا المضَللَة تفضل اتخاذ العصر العباسي مَعْلَما لهويتها بدل عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن حكم هارون الرشيد يدغدغ إحساسنا بالانتماء، ويحفز مخيالنا الجماعي. فهذه الحقبة مرتبطة دائما بقصص ألف ليلة وليلة، وهي أيضا مرادفة للبذخ والثراء وزاخرة بالجواري الحسان ومؤامرات البلاط المثيرة. ولذلك تتفق جميع المقررات الدراسية في البلدان الإسلامية على أن عصر هارون الرشيد أزهى حقبة في تاريخ الإسلام.
ومع هذه البذرة الدخيلة تنمو أسوء أنواع المغالطات، وتحدث هذه المقاربة المقلوبة للماضي الإسلامي تشتتا مزدوجا:
1- فالحكم على تاريخ الإسلام يتم انطلاقا من قيم مادية بحتة، بينما تقبع المبادئ الروحية في زاوية مظلمة من تصورنا، ويصبح السعي الروحي مجرد مغامرة ذات طابع شخصي.
2- وعلاقاتنا الثقافية والشعورية تخضع لعملية تطبيع متدرج مع حكم يستحق المساءلة عن طبيعته وشرعيته.
وتزداد خطورة هذا التضليل حين يمس بعض القضايا المحورية للأمة الإسلامية مثل وضع المرأة التي كانت أول ضحية لهذا الانحراف.
ففي تاريخ الحضارات المنحطة، كانت المرأة دائما هي كبش الفداء. وفي أرض الإسلام لم تكن وضعيتها بمعزل عن التصور السائد للحكم وابتعاده التدريجي عن الشورى نحو الاستبداد.
لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم لإخراج المرأة من غياهب التاريخ، وإبراز دورها الحقيقي ككائن بشري مستقل ومسؤول ومستعد لتحمل المسؤولية التي يضطلع بها كل من اكتشف أن له مغزى في هذه الحياة. لكن النظام الذي خلف الشورى عكف على محو معالم هذا المجتمع الناشئ الذي كانت المرأة فيه شقيقة الرجل وقرينته في وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشجع ذهنية استعبادية جعلت منها مجرد سلعة جميلة تباع وتشترى.
وبدل تطبيق التعاليم القرآنية الداعية إلى الإلغاء التدريجي للرق وتحسين وضعية المرأة، عمل الملوك الذين استولوا على الحكم بعد معاوية على تعميق البصمة الفرعونية في هذا المجال.
لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليعالج أمراض الجاهلية التي كانت تتميز بالجهالة والضلالة، لأن جهل الإنسان لأصله ومغزى حياته لابد أن يكون مصحوبا دائما بالعنف الاجتماعي وسيادة قانون الغاب. ولذلك أتى الإسلام لينشئ توازنات جديدة ويدعم قيما أخرى تُدين الاستبداد السياسي أو الاجتماعي. ونظرا لقوة الرابط بين هذين التعبيرين عن الجاهلية، فإنها تُوَلد حركة واضحة تجعل تحرير المرأة من نير التقاليد جزءا من مشروع نضالي شامل يرمي إلى استئصال الأنظمة السياسية العتيقة والمتسلطة.
لقد كان وضع المرأة في جميع المجتمعات الجاهلية تقريبا واحدا، وكان الموقف منها يتراوح بين الانجذاب والتربص، لأنها كانت تعتبر كائنا غامضا يستعصي على الفهم.
كانت تجليات هذا الموقف تتلخص في سلوك واحد هو تشيِيءُ المرأة عند العرب، ولو بدرجة أقل مما كان عليه وضعها عند الرومان والإغريق. كان الرجل يعتبرها ملكا خالصا له، ولا يتردد في دفنها حية عندما يغار عليها.
كانت الفتاة الصغيرة تحت رحمة الأب الذي له الحق في وأدها مخافة العار، دون أن يتعرض لأية محاسبة أو مراجعة. وكانت عدة قبائل غنية تئد نساءها رمزيا لأنها لم تكن تحتاج إلى عملهن الاجتماعي فتحبسهن في البيوت، ولا تدعهن يخرجن منه إلا إلى بيت أزواجهن أو قبورهن.
وهكذا لم تكن حالة أمنا خديجة رضي الله عنها -التي كانت امرأة حرة وسيدة نفسها، والتي كانت أول سند لرسول الله صلى الله عليه وسلم- معتادة في المجتمع القرشي الراقي الذي كانت تنتمي إليه. ولحكمة يعلمها الله عز وجل اختار القدر خديجة لتكون نموذج المرأة التي يريدها الإسلام: فاعلا مؤثرا في التاريخ، وليس ذلك الشيء الذي كان الملوك “الخلفاء” يكدسون به حريمهم.
لحكمة أيضا سميت سنة وفاة خديجة رضي الله عنها “عام الحزن” بالنسبة لجميع المسلمين في زمن لم يكونوا -كما صرح سيدنا عمر “يعدون المرأة “شيئا”. وعمر هذا هو الذي وأد بنته قبل إسلامه والذي كانت النساء تَهَبْنَه وتختبئن منه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. عمر هذا هو الذي أسند وظيفة الحسْبة بالمدينة إلى امرأة اسمها الشفاء.
لقد كان هذا التحول ثمرة تربية الرسول صلى الله عليه وسلم الذي نجح في إخراج الرجال تدريجيا من سجن رذائلهم وعاداتهم الفاسدة، وتخليصهم من سلطان أهوائهم التي كانت تتحكم في مجتمع لا يعترف بالضعيف، ولا تدع له خيارا آخر سوى الخضوع أو اللجوء إلى سبل ملتوية يخطها الحقد والخديعة.
هكذا كانت الجاهلية تعني -إضافة إلى جهل مغزى الحياة- هذا المجتمع القائم على التحقير والتعنيف المتفاقمين بفعل العوز والفقر، مجتمع يسحق فيه الرجل المرأةَ، والقبيلةُ القبيلةَ، والإنسانُ الإنسانَ. مجتمع شعاره الهمجية المتجذرة. مجتمع جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليخلص أفراده بالمحبة، ويحررهم من حلقة العنف والأنانية، متدرجا بهم برفق وأناة .
كان الرفق لازما لأن وضع المرأة عند العرب كان حرجا، ولذلك شكل أمرُ الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بترك النساء يذهبن إلى المسجد خرقا للعرف السائد آنذاك. لكن حرصهم على طاعته ولد حركية اجتماعية قوية مكنت المرأة من التحرر والارتقاء من وضع الشيء الذي يُمْتَلك إلى وضع المواطنة الفاعلة المؤثرة.
وبما أن المسجد كان القلب النابض للأمة الناهضة ومكان اجتماعاتها وتشاورها إضافة إلى كونه معبدا لها، كان لأمر الرسول الأعظم هذا الأثر البليغ في تشكيل وعيها ونظرتها إلى المرأة. إذ أنه بذلك ولج بها إلى الحقل الاجتماعي الذي كان حكرا على الرجال من الباب الأوسع، لأن هذا الحقل الذي كان مسكونا بالحرب والتجارة، مع ما كان يستتبع ذلك من انعدام للأمن، أصبح الآن فضاءا للثقة المتبادلة، ومجالا تُمَثل المرأة أحد طرفيه المتساويين والمتكاملين.
بذلك كان حض المرأة على حضور الصلوات في المسجد عربونا للمساواة أمام ربها لتقبل عليه سبحانه في بيته كما يقبل الرجال. بذلك لم تعد المرأة تحتل الفضاء العمومي والزمني الذي كان حكرا على الرجل فقط، بل أصبحت ضيفا على الله في فضاء يقدسه المسلمون، بل إنها كانت تحضر صلاتي العشاء والصبح رغم أن ذلك كان يزعج بعض الصحابة نظرا لما كان يشكله من حرج في مجتمع حساس جدا نحو كل ما يمكن أن يمس بالشرف.
كانت الأمة تعيش تحولا دائما يخرجها من حكم العادة إلى اتباع أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم التي يتأسس عليها وعلى كتاب الله الشرعُ الإسلامي، فهو صلى الله عليه وسلم وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 1 .

امرأة محررة ومسؤولة

كوَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلا من النساء كانت عائشة رضي الله عنها رمزه، جيلا من النساء المسؤولات الحرات. وربى الإسلام نساء يعرفن جيدا حقوقهن وواجباتهن ويستوعبن أدوارهن في بناء مجتمع الثقة هذا.
هكذا ظهرت أم حرام التي لم تكتف بولوج الفضاء العمومي للمؤمنين، بل طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها لتموت شهيدة مع أول من يغزو في البحر من المسلمين. واستجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة، فقد بشر عشرين من الصحابيات بها في مجتمع لا تُقدَّر هذه البشارة لديه بثمن.
وتظل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها امرأة متميزة طبعت ذاكرة المسلمين بقوة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفردها بين زوجاته بمحبة خاصة، ولأنها أيضا كانت ذات شخصية وذكاء خارقين. فقد تلقنت عن أبيها رضي الله عنه علم أنساب العرب، وكان لها حظ وافر جدا من علم اللغة والأدب. كما أنها روت عن زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة كان الصحابة يقصدونها ليتلقوها من فمها دون أن يشعروا بأية غضاضة، وكانوا يستفسرونها عن عدة قضايا شائكة في العقيدة والشريعة.
لقد كان لنشأة أمنا عائشة رضي الله عنها في إحدى أوائل الأسر التي دخلت الإسلام الأثر الحاسم في تكوين شخصيتها، فقد فتحت عينيها في وسط لم يكن يعتبر المرأة شيئا يمتلكه الرجل ويسخره لأهوائه ونزواته، لأن أباها رضي الله عنه كان ذا طبع رقيق قريب من الفطرة. ألم يلقب بالصديق؟ ألم يكن أقرب الصحابة إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الهجرة؟
هذا الرجل المصدق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم يتردد في التبرؤ نهائيا من النظرة العربية التي كانت تعتبر البنت لعنة من السماء، بل كان حبه لابنته عائشة عميقا جدا. هذا الحنان يدل بوضوح على اتباع سيدنا أبي بكر الصديق أثر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان لا يتردد في التعبير عن حبه لبناته على الملأ، وخاصة فاطمة الزهراء التي كان يقوم لها إذا قدمت عليه ويقبل جبينها ويُجلسها بجانبه.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدشن حينئذ عهدا جديدا للمرأة، عهد الرسالة التي تدين الممارسات الجائرة التي كانت تسلط على المستضعفين آنذاك من العبيد و النساء: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ 2 . ويوم القيامة يتوعد الله أصحاب هذا التصور المقيت: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ 3 .
وهكذا بدأت الأمة تصوغ تدريجيا -انطلاقا من القرآن الكريم والسلوك الحكيم للرسول العظيم- تصورا جديدا لدور المرأة باعتبارها شقيقة الرجل بالنسبة لخالقها ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وتظل وظيفتها الأسرية والاجتماعية التي تلزمها بواجبات مختلفة عن واجبات الرجل هي المحددة لمركزها، مما لا يعني أبدا اختلافا في الجوهر أو في الكرامة بينهما.
وستواصل المرأة سيرها الاقتحامي بنفس الوتيرة في عصر الخلفاء الراشدين، فعلى أثر الصحابيات الجليلات سار جيل من التابعيات اللاتي ضربن بسهم وافر في مجال العلم وشاركن بقوة في صنع التاريخ: عائشة بنت طلحة، فاطمة بنت سيرين، سكينة بنت الحسين، رابعة العدوية… وغيرهن كثيرات. رضي الله عن الجميع.

نكسة قاسية

لكن هذه المسيرة المزدهرة للمرأة التي دشنها رسول الله صلى الله عليه وسلم سرعان ما توقفت باستيلاء معاوية على الحكم، لا يمنعنا الاحترام الواجب للصحابة الكرام من النقد القوي. ليس النقد مُرادفاً بالضرورة للحقد في إدراكنا المسلم للعالم، حيث نرى جانبا من القدر في كل فعل مضى وانتهى. حرية الاختيار والإرادة مشروطة بالآن وممكنة ما دام هناك مستقبل. في الماضي لا نتحدث إلا عن القدر.
العينات الأخيرة لهذه المرأة الراشدة والمسؤولة لم تتردد في انتقاد معاوية أمام الملأ وبكل قوة. بعد ذلك بدأ تقهقر المرأة المسلمة، وبدأ الاستناد إلى تأويل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لتدعيم موقف الحَجْر والتضييق عليها. ألم يقل صلى الله عليه وسلم: “اتقوا فتنة النساء؟” ونسي معظم المسلمين السنة النبوية التي دافعت عن النساء ومنحتهن حقوقهن الطبيعية، لأنهم غفلوا عن جوهر الرسالة القرآنية ونظروا إلى الدين نظرة تبعيضية، رغم بعض المنصفين من أمثال الإمام الغزالي في عصره، ويوسف القرضاوي أو الكبيسي في زماننا هذا.
وهكذا لم يتحدد وضع المرأة بعيدا عن هذا التوجه العميق فقط، بل عانى أيضا أهواء الأمراء الذين رسخوا أعرافا فاسدة، وأسسوا ممارسات مناقضة تماما للرسالة القرآنية. وبذلك تكون أطروحة زكية داود أن تاريخ وضع المرأة المسلمة سياسي أساسا صائبة تماما، فقد عانت النساء من الأنظمة المتسلطة التي استغلت نفوذها لإحكام قبضتها وتأمين استمراريتها. ففي ثنايا السرايا تتجسد نزوات الطغاة، وتقاس وتيرة تكوين وإعادة تكوين السيرورات الاجتماعية. ولذلك تشكل المشاكل التي تفرض اليوم نفسها عليها جزءا لا يتجزأ من احتجاج المجتمعات المدنية على الأنظمة). 4
لقد تجاهل الأمراء الغارقون في حمأة الحكم الفاسد المفسد تعاليم القرآن الرامية إلى تحرير الإنسان من قيوده المادية والمعنوية. فمع الفتوحات المتتالية كانت تتقاطر على بلاطاتهم قوافل من السبايا الحسناوات التي أحيت لديهم غرائز التملك العربية. وكان الإسلام يدعو إلى الاحتفاظ بأسرى الحرب في البيوت ليعاشروا المسلمين ويتعرفوا على ما تمنحه حياتهم من توازن نفساني، وعلى ما تقدمه من أجوبة للأسئلة الوجودية الملحة. كان الهدف من ذلك أن يُلقنوا أصول الحياة القائمة على التوازن بين الروحي والزمني، بين التسامي والعيش اليومي، ليتم عتقهم بعد ذلك ويرجعوا إلى أقوامهم مبشرين بهذا الدين السمح.
لكن الاسترقاق أصبح أصلا يُمَكن الداعين إليه من استغلال أنوثة لا يعترف بها للمرأة العربية التي كانت تمثل رمزا لكرامة مستعصية متمنعة. وشيئا فشيئا، تغلغلت أعراف البلاط في المجتمع المسلم، خاصة في المدن التي لم تتمكن بسهولة من تجاوز التصور الذكوري للأرستقراطية العربية.
حقا كان وضع المرأة يختلف من بلد لآخر، من البادية إلى المدينة، من منطقة إلى أخرى. لكن الثقافة المهيمنة كانت ثقافة المرأة المُشَيأة التي سرعان ما رمي بها في خدور التاريخ. وتحققت قولة ابن خلدون: الناس على دين ملوكهم)، فأصبح دين الانقياد دين مجتمع تَشَرب هذه الثقافة المعادية للمرأة التي كانت تستنسخ عادات جاهلية تظنها من صميم الإسلام.

انزلاقات

يقف علم الدلالة ليشهد على هذا الانحراف الذي ينشأ في السرايا وينتهي إلى البيوت. ونختار مصطلح “الولي” -المترجم خطأ بوصي-كمثال على هذا الانزلاق الدلالي الذي يعكس انزلاقات أخرى في العقيدة والحكم والمجتمع. فمصطلح “ولي” يثير بحق الفزع في قلوب النسوانيات في أرض الإسلام. لكن الحقيقة الأولى لهذه الكلمة يمكن أن توفق بينهن وبين هذا المصطلح المليء رقة الحامل لباس أيامنا الحالية. “ولي” في الأصل يدل على الصاحب أو المعين لأننا لا يمكن أن نفسر الآية الكريمة: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا 5 بأن “الله هو الوصي” بل أن “الله هو معين المؤمنين”. كما لا يمكن أن نفسر الآية الجليلة: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ 6 بأن “المؤمنين والمؤمنات بعضهم أوصياء على بعض”.
لذلك اعتبر معظم الأمة أن وظيفة الولي هي حماية المرأة و ليس إهانتها أو اعتبارها مجرد قاصرة. ورأوا في الزواج تعبيرا عن روابط اجتماعية تعني أسرتين وليس فقط علاقة ثنائية بين شخصين. لم يلتفتوا إلى حديث هام جدا أمر فيه صلى الله عليه وسلم باستشارة النساء في نكاح بناتهن. وإذا علمنا أن قرار الفتاة حاسم في هذه القضية، أدركنا حرص الإسلام على أن يكون الزواج رابطا يوثق الصلات الاجتماعية، وينشئ حركية يساهم فيها جميع أفراد الأسرتين المتصاهرتين، وأدركنا أيضا مدى بعدنا في حياتنا العملية عن هذا الخط الذي يعتبر الأسرة محضنا يحمي المرأة -الأم والبنت- بدل أن تكون سجنا يخنق أنفاسها.
لماذا انحرف هذا المفهوم عن قصده؟
لم يكن الانزياح الدلالي للولي العضد الحامي إلى الولي الوصي الرقيب انزياحا بريئا، بل جاء ملازما للانزلاق السياسي والاجتماعي الذي وصَلَ ما كان قد انقطع مع أشد التقاليد الأبوية قساوة. فالتاريخ لا يتبع مسارا خطيا بل يستدير ويتقهقر أحيانا كثيرة. ولذلك سرعان ما تخلى العالم العربي الإسلامي عن إدماج المرأة في الحياة الاجتماعية واسترجع غيرته المَرَضية على الأنثى، بعد أن قررت الطبقة الحاكمة المتحكمة حبس المرأة من جديد.
تحول الولي الذي كان من المفروض أن يحمي المرأة ويحفظ توازن هذه العلاقة التي يحظى فيها البعد النفساني بأهمية بالغة، تحول الولي الذي كانت وظيفته الأصلية أن يكون سَنَدا أخلاقيا عند حدوث أي خلاف بين طرفي عقد النكاح جلادا للمرأة، وجلاد آخر هو زوجها، ليتأسس بذلك حلف موضوعي بين الذكور عم جميع عصور ما بعد الخلافة وجميع الأوساط الاجتماعية. قام إذن عقد ضمني بين الوصي والزوج وَثقت عراه الظروف الاقتصادية المتفاقمة. فقد كانت المرأة بالنسبة لذكور أسرتها عبئا ينبغي التخلص منه وبيعه للزوج. لم يكن الولي يهتم كثيرا بمعاناة قريبته، بل كان يتجاهل هذه المعاناة ويحرص على أن يبقى العبء عند الزوج. وفي خضم هذه المتاهة القانونية التاريخية الاقتصادية، كانت الأنثى تحت طائلة العنف الذكوري الذي يعكس عنفا آخر يتنزل من أعلى الهرم المجتمعي، وعنفا ثالثا يغلي في القلوب التي يتبخر فيها الإيمان.
وهكذا ضاقت حلقة العنف البدني أو المعنوي شيئا فشيئا على الضحية التقليدية للمجتمعات المنحطة: المرأة. وانتقل الضغط الآتي من قبل حكم مشوه عنيف إلى البيوت بتشوه أعمق للعلاقة الزوجية التي جعلها القرآن الكريم مودة ورحمة. وتلك هي فتنة النساء التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتنة المرأة التي لم نستطع حمايتها والتي نحرص على حمايتها فنخنقها.
لقد اضطر أئمتنا حين دهمتهم الفتنة الكبرى إلى إقرار مبدأ “سد الذريعة” كما تضطر الدولة إلى إعلان حالة الطوارئ عند مواجهة الحرب، لأنهم كانوا يحرصون على مصير الأمة، وكانوا يبحثون عن حل لهذه الأزمة الحقيقية. لكن حالة الطوارئ أصبحت وضعا دائما، وألقيت الحقوق التي منحها النبي صلى لله عليه وسلم للنساء في سلة التاريخ الذي تابع انهياره الحثيث.
وبما أن المرأة رحم المجتمع فإن هذا الأخير أصبح مرآة لها. وهكذا انعكست معاناتهن على محيطهن (ضرب وتهميش وإهانة وحرمان من الحقوق) فلم يعدن قادرات على حمل مشعل العقيدة والاقتحام، كما لم يعدن قادرات على ضمان التوازن الأسري الذي يقوم عليه كل مجتمع سليم وواعد.
واستحق هذا المجتمع الذي يعامل نساءه بتلك الطريقة أن تأتيه صفعة القدر، فكان الاستعمار. لكن قبل ذلك لم تواجه هذه الحضارة نفسها، ولم ترَ صورتها الحقيقية في مرآة الآخر. ولذلك كانت الذهنية التواكلية تترسخ قرنا بعد قرن في أعماق النساء اللواتي استسلمن لهذا القهر والتهميش وقبلن بدور التفريخ الذي حددته لهن أمة استرجعت عداءها الأصلي للمرأة. هذا العداء الذي كانت هي بذاتها تستبطنه عند حلول سن اليأس فتصبح عدوة لدودة لجنسها.
إن ألد أعداء المرأة هي المرأة نفسها، ولا أدل على ذلك من “الحماة” التي كانت تحظى بالمكانة الشريفة الوحيدة (مكانة الأم) التي كان مجتمع الفتنة يمنحها لمثيلاتها. فاستغلت هذه الوضعية المتميزة بكيفية لئيمة. هذه الأم حولت ابنها الذكر إلى طفل خنقته بحنانها المفرط الذي كان من الواجب أن تتقاسمه مع زوجها. ومن الجهل والحرمان، إضافة إلى اعتبار الذكر كائنا مثاليا تلقي عليه الأم جميع معاناتها وتبني عليه كل آمالها في أن تتحول إلى شخص محترم، تَوَلَد وضع لا تحسد عليه الزوجة المسكينة: أصبح عليها أن تتحمل صبيانية الابن المدلل، والمزاج الحاد لحماة تترجم كراهيتها لصورتها إلى إذلال ممنهج لكُنتها.
بذلك تصبح للمؤامرة صبغة اجتماعية ويتحول الجو السائد -من قمة الهرم إلى قاعدته- ومع بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة، إلى جو يسوده التوجس المهيمن على البيوت، جو مناسب لانفجار جميع أنواع الغضب والحرمان. فإذا كانت المؤامرات النسائية المُحَاكة في القصور تتميز بنوع من النعومة المصاحبة عادة للترف، فإن لها طعما آخر شديد المرارة في أكواخ البؤس بدليل الخدمات القاتلة التي كان -وما يزال- يقدمها “الفقها” للزوجات التعيسات والتي كانت سبب وفاة العديد من الأزواج بالتسمم.
تلك كانت ثمرة انقطاعنا عن منابع الإيمان. فالمرأة ليست ذات طبيعة فاسدة أصلا، بل لم تتحول إلى امرأة خرافية ماكرة كاذبة ساحرة إلا لأنها أصبحت هملا في مجتمع ذكوري لم يتمكن من تدبير فتنته النسائية. فالمسؤولية إذن ليست مسؤوليتها بل مسؤوليتنا نحن الذين ابتعدنا جميعا عن تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن روح رسالته المحررة.

هذا المقال مقتطف من كتاب الأستاذة ندية ياسين “اركب معنا دعوة إلى الإبحار”


[1] (سورة النجم)
[2] (سورة النحل)
[3] (سورة التكوير)
[4] النسوانية والسياسة بالمغرب العربي: سبعة عقود من النضال، إيديف، الدار البيضاء،1996،ص8.
[5] (سورة البقرة،257)
[6] (سورة التوبة،71)

أضف تعليقك