من أجل فتح حوار مع النخبات المغربة 2/3

من أجل فتح حوار مع النخبات المغربة 2/3

محاضرة باللغة الفرنسية
ألقاها الإمام عبد السلام ياسين في الرباط يوم الجمعة 27 يونيو 1980.
ترجمها إلى العربية: أحمد الملاخ ومحمد بشيري.

إن الأنظمة الاستبدادية بطغيانها السياسي وجورها الاقتصادي وظلمها الاجتماعي التي يمارسها الأغنياء الأقوياء على الضعفاء والمحتقرين ستتساقط تباعا مثل الفاكهة العفنة تحت هبوب الأعاصير، وتهب رياح التحرر في أرض الإسلام فيتحرك الشعب ليعلن عن قوة غضبه الدفين محدثا رجات عنيفة، وظهر عقم الانقلابيات التي تحل محل الرجعيين الموالين للغرب تقدميين موالين للشرق. وأوشكت الرقصة السياسية أن تنتهي وتتلخص في استبدال تبعيتنا القديمة لشرق الغرب الجسور -بعد فشل الثورة الانقلابية- بتبعية جديدة للإمبريالية الغربية المترهلة بدعوى الانفتاح على العالم. ولكن الثورة الإسلامية تعبر عن نفسها في الميدان وتمارس جاذبيتها على الجماهير الإسلامية، ففي إيران تواجه الثورة الإسلامية التي تعد نموذجا لأكثر من سبب صعوبات ناتجة عن بساطة تجربتها وخصوصا عن المؤامرات المبيتة في الداخل والخارج. ومع ذلك فإن هذه الثورة التي تريد لنفسها أن تكون منفصلة عن المناهج الجاهلية وتصرح بذلك. تظل ثورة لا تعتمد على العنف، بل تعتمد على الله الذي وقاها مغبة الجهل ومنحها قوة التصدي بالصدور العارية لدبابات العدو ومدافعه. فاستطاعت أن تطيح بالمؤسسات الجائرة وأن تطرد فلول الظالمين بقوة الأيادي العزلاء. وبعد مرور خمسة عشر شهرا على سقوط النظام الظالم لم ينفذ حكم الإعدام إلا في ثمانمائة شخص بعد محاكمتهم، وهذه قمة التسامح الذي صورته الدعاية المعادية مذبحة همجية، لأن ميول هذه الدعاية المزدرية للإسلام وسماجتها الوقحة جعلتها تتعمى عن بشاعة ما اقترفته الشعوب التي تدعي الحضارة في التاريخ الحديث، إذا ما قورن فعلها بما حدث في إيران وبدون أن ندخل في الحساب هتلر وأضرابه من سفاحي الشعوب المستعمرة نعيد إلى الأذهان أن فرنسا غداة تحررها من الاحتلال الألماني بعيد الحرب العالمية الثانية قد ذبحت خلال ثلاثة أيام فقط مئات الآلاف من المتعاونين مع المحتلين الألمان (أربعمائة ألف إذا لم تخني الذاكرة). هذا مع العلم أن فرنسا شعب متحضر ولم يعان من قهر ثلاثين سنة من الطغيان الذي يفوق كل وصف. ولولا «سولجننيتزين» الذي شهر ببشاعة العهد الستاليني لما عرف العالم أن الثورة البلشفية وجبروت وحشها ستالين قد كلفت الشعب المقتل ستين مليونا من الضحايا من بينهم عشرون مليون شهيد مسلم أبيدوا تحت الاحتلال السوفياتي. وفي النقطة الثانية من هذا الحوار أود أن أطرح مشكلة الطبقية والصراع الطبقي من الوجهة الإسلامية. فالمقارنة الأولية بين التجربة الإيرانية وغيرها من التجارب يجب أن يحيل المرتابين على كتب التاريخ ليتمكنوا من تبين الفوارق بين عنف الجاهلية الوحشي واستعمال القوة الضرورية والمتحكم فيها من قبل الإسلاميين.

إن الفكر الغربي المعاصر الذي أثرت فيه الماركسية أيما تأثير -سواء اعترف بهذا التأثير أم لا، -وسواء اتخذت الماركسية كمنهاج وحيد أم لا- قد اقتصر على تصور العالم وفق المعيار الجدلي. ونحن نأبى على أنفسنا أن نكون صورة معكوسة للآخرين حتى لا نتقوقع وراء النقد التبريري فنكتفي بفضح المناهج الجدلية وتبيان عدم جدواها. كما نأبى الانسياق.

وراء المظاهر العلمية للفلسفة الملحدة كما فعل شبابنا المغربي الساذج قبل انكشاف فضائح معسكرات الاعتقال في الاتحاد السوفياتي (الكولاك). وندعو حركيينا الماركسيين واليساريين والماويين والتروتسكيين الذين كانوا يستعيرون حججهم وشعاراتهم من المرعى الاعتقادي للآخرين ليأخذوا العبرة مما كانوا يتخوفون منه دائما. ونعني أن أفكارهم ومناهجهم لا تحرك الشعب الإسلامي رغم شعاراتهم العريضة التي تنادي بالعدالة الاجتماعية ممتطية متن الحقد الاجتماعي والصراع الطبقي.

وبدون أن نتردى في أسلوب التأسي المعتاد الذي ألفنا استعماله زمن هزائمنا والذي يعتمد القول بأن الإسلام قد سبق الفكر العصري بأربعة عشر قرنا، وبدون أن نسقط في التقليد غير المباشر الذي يعرض أفكار الآخرين وكأنها أفكاره بعد إضفاء صبغة الأصالة عليها. نؤكد اتفاقنا مع كل إنسان حباه الله قدرا ولو ضئيلا من الذكاء أن العالم مكون من تناقضات وأن صراع الأضداد يسيطر على الشعوب وعلى العالم، وأن الأنانيات الفردية والطائفية والعرقية، أو أنانيات المراكز الإمبريالية تغذي هذا الصراع العام. فهذه إحدى القوانين الإلهية التي تسير العالم وتوجهه. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ البقرة،251. لكن مفهوم «الطبقة» والتبسيط الماركسي الذي يصور المجتمع ذا قطبين متمايزين متحاربين لا يعبر عن الحقيقة. إن النقد الذي يوجهه للجدلية الماركسية المبسطة أصحاب الجدلية الموسعة المتعددة الأطراف المتفرعين عن الفكر الماركسي لا يرضي الذين يلاحظون مثلنا ما يمكن أن تمتلئ به عقول أجيالنا الممسوخة. كما لا يرضيهم نقد تلك الجدلية القتالة من جانب الفكر البنيوي الاستقراري الذي ينظر إلى خلف وينظر إلى اليوتوبيات المجردة.

إن فكرة الطبقة وأسلوب الصراع الطبقي اللذين يقدمان كنتاج لتفكير علمي ليسا سوى تصورين ذهنيين يصوران حقد كل إنسان وكل مجموعة من الناس على كل من يضطهدهم ويحتقرهم. ولقد فازت الماركسية بقصب السبق في الحظيرة الغربية لكونها جعلت المثقفين يدركون ما يمكن أن يفجره شعور الجماهير من غضب كامن إذا أحسن استغلاله. وهكذا تنجز الثورة على الطريقة الغربية فتؤول الحركة الثورية بجهازها الطليعي والحزبي وشعاراتها الثورية وإستراتيجيتها وتكتيكها إلى «دكتاتورية البرولتاريا» التي تنصب نفسها مخلصا حتميا للعالم منزلا من سمائها. وما الإستراتيجية والتكتيك إلا مصطلحان عسكريان يعبران أفصح تعبير عن ضراوة حرب الثورات التي تتم على الطريقة الغربية والتي تجعل الحقد مبدأها والتخريب منهاجها. لا يمكن أن ننكر وجود الطبقية في مجتمعاتنا، مع هذا الفارق الأساسي الذي يضاعف من خطر هذه الظاهرة على اعتبار أن الأغنياء والأقوياء عندنا يزدادون غنى وطغيانا كلما ازدادوا نهبا للشعب. وما تلد الأنظمة السياسية والاقتصادية لما قبل الثورات المزعومة في بلادنا وما بعدها إلا التناقض والتباين. تتمكن القوات الجديدة من تحطيم الأنظمة العفنة ودحر الأنظمة الفردية الفاسدة لكن الأمور تكرر على نفس الوتيرة. وتتوالى إلى طفراتنا وقفزاتنا الفجائية.

تتوالى الفواجع على الأنظمة السياسية على مستوى القمة لكن الطبقية تبقى ملازمة لها ملازمة الظل لصاحبه. إن تصورنا للحل الإسلامي، حلنا الأمثل، يجب أن يكون قويا غير عنيف إذ يفرض علينا أن نمحي الطبقيات لتحل محلها الجماعة المبنية على الأخوة والتضامن، وهذا المنهاج يسمى جهادا وليس نضالا، بوضع كلمة جهاد مقابل الكلمة الجاهلية نضال.

ولكي يؤسس المجتمع الأخوي على دعائم متينة بعد خمود الفتنة الحالية التي تتحول فيها الطبقات في تعاقبها إلى دائرة جهنمية، ولكي نقيم جهادا واعيا وقويا في نفس الوقت ونتجنب النضال الحاقد الأعمى، وجب علينا أن نكون مجاهدين في سبيل الله لا في سبيل غاية وهمية،

رجالا واعين بمآسي قومهم قادرين على التحكم في أنفسهم والانسياق وراء أهوائهم الخاصة. يجب أن يقبل الإسلاميون التحدي الذي يفرض عليهم بناء مجتمع إسلامي خال من الحقد والأوهام وخال من الاستكانة أيضا. ذلك من اليوم الذي تفرض عليهم أحداث التاريخ أن يتخذوا مواقف أو بتعبير إسلامي حينما تضعهم يد الله أمام اختيار مصيري. سيأتي هذا اليوم بإذن الله آجلا أو عاجلا. وسلاحنا لمواجهة هذا اليوم المشرق هو شريعة الله وقلوبنا الطاهرة غير القاسية. وأنتم مثقفي الأعزاء الذين تبددون طاقاتكم يمينا وشمالا تتوفرون على الحس التنظيمي وعلى التقنيات والخبرة العلمية مما يؤهلكم لمشاركتنا في تقرير وصنع مستقبل عادل حر، لأن المجتمع اللاطبقي يمكن تصوره بل وتحقيقه وفق المنهاج الإسلامي.

إن زادنا للمحافظة على الإرادة العملية هو وعد الله لنا، ولإنارة الطريق أمام الخبرات العملية تقسم الشريعة الناس إلى معسكرين، مستكبرين ومستضعفين وإذا كانت فكرة الطبقة الاجتماعية تعني الفارق الاقتصادي والسيطرة السياسية فإنها لا تتناول قطعا الجوانب النفسية والأخلاقية والروحية. فالقرآن في الكثير من آياته يعرض أمامنا المستكبرين كطبقة حاكمة غنية ولكنها قبل كل شيء تتكون من مجموعة من الناس الطاغين المتعالين المضطهدين لرسل الله الذين كانوا دائما يناصرون الضعفاء. فلا تعجبوا إذن إذا كان إخوتنا المجاهدون في إيران يضعون منذ الآن ثورتهم في إطارها الحقيقي الذي هو توحيد جهاد المستضعفين على الأرض بعد توحيد الأمة الإسلامية، هذا الجهاد الذي نتحمل بالضرورة وقبل غيرنا مسؤولية القيام به. وها أنتم ترون كيف يستطيع جهاد هادف أن يزيل تهمة الجمود الفكري عن الناطقين باسم الإسلام.

وحوارنا مع المسؤولين الذين تقلقهم أدنى حركة إسلامية، يستهدف إقناعهم بأن الثورة يمكن أن تصدر نظريا وتاريخيا عن القمة، ولن نفتر عن ذكر عمر بن عبد العزيز كمثال خالد لسلطان وراثي نزل إلى الشعب ليكتسب المشروعية المفتقدة، وليعيد تطبيق نظام العدالة الاجتماعية التي شوهها الحكم الطائفي لبني أمية. وأخذنا له كمثال تاريخي يرجع إلى الخصال الفريدة التي كان يتمتع بها واستبداله الخلافة المزعومة على الفور بخلافة شرعية تستمد قوتها من رضى الشعب. ونحن نتحدى كل من يعنيه الأمر بعرضنا عمر بن عبد العزيز كنموذج.

إن مأساة أنظمة مستكبرينا المعاصرين الذين يمتصون دماء شعوبهم مآلها إلى الفاجعة لا محالة، ونقترح عليهم بكل سخاء القيام بمحاولة عمرية (عمر بن عبد العزيز) إذا هم تمكنوا من التفكير في أسلوب غير أسلوب ألاعيب الديمقراطية المنحرفة شريطة أن يبرهنوا على صدقهم قبل أن يعتمدوا على تأييد الشعب الذي زجوا به في حمأة دعايتهم الديماغوجية.

وننهي هذا الاستطراد لنؤكد أن الملكية الخاصة والمشاريع والمبادرات الفردية لا توضع موضع التساؤل في النظام الإسلامي إلا إذا أخلت بوظائفها الاجتماعية. إن دور التأميم البيروقراطي لا يتربص بالإسلاميين عندما يصلون إلى الحكم لأن الحلول البيروقراطية والتغييرات البنيوية المكثفة والعنيفة وسائل لا يعتمدها منهاجنا. إن تشغيل طبقة الطفيليين والهامشيين ومبدأ إعطاء الأرض لمن يحييها يكونان إطارا لإصلاح زراعي هو أسبق الأسبقيات.

وبناء الاقتصاد على أسس علمية لا يعني بالنسبة إلينا تسليم إدارة شؤوننا المحلية للتقنوقراطيين وإلى الآلة الإدارية التي تعيد نفس الوضع مكونة طبقة جديدة من المتجبرين. وإنما يعني فتح آفاق التعاون الإسلامي الصالح لتكوين مجموعة كبيرة من الاقتصاديات المتكاملة. وأنتم المثقفون والتقنيون عليكم أن تعضدوا هذا المشروع وتشاركونا الجهاد الذي يعتبر امتلاك التكنولوجيا إحدى أهم أهدافه.

ما هو الدور الاجتماعي الذي يلعبه رأس المال في النظار الإسلامي؟

هل من حق المستضعفين أن يتوقعوا ازدهارا فوريا عقب الإعلان عن الجمهورية الإسلامية؟

إن التملق الديماغوجي لعواطف الشعب التي لا يوفى بها هي أدوات البهتان الإيديولوجي الذي يستعمله حكامنا كلما حل نظام استبدادي مكان آخر، أو حل جهاز بوليسي مكان آخر أو اغتصبت طبقة في طور التكوين وظائف وامتيازات أخرى أضعفها الانحلال الخلقي وتراكم جرائمها واستنـزاف الحكم لها.

إن الإسلاميين أقوياء بمثاليتهم التي تستحوذ على مشاعرهم لكنهم واقعيون، فهم واعون بأن كل تغيير للبنيات يستتبع هلعا اقتصاديا، ويعلمون أنهم ليستفيدوا جميعا في الغد من منافع نظام ما زال في حيز المشروع يجب أن يعرفوا كيف يتحملون نصيبهم من التضحيات اللازمة، وكيف ينسقون الجهود الجماعية الضرورية لإنجاز العمل المشترك بحيث يضطلع كل بالمهمة المنوطة به، فمهمة رأس المال الخاص والمشاريع الحرة هي أولا وقبل كل شيء ألا تستمر في خدمة الشركات المتعددة الجنسية والمصالح الرأسمالية، ثم بعد ذلك عليها أن تشارك في العمل الطويل النفس زاهدة في الربح العاجل أو الحرام، وأن توجد الوظائف لتشبع حاجات الشعب وإن تنتج الضروري قبل الكمالي، وأن تخرج الزكاة التي لا تمثل إلا القدر الأدنى من الإنفاق والتي يجب على الدولة الإسلامية أن تنظمها على شكل ضريبة تصاعدية.

ويجب الحصول على موافقة الشعب بأغنيائه وفقرائه ليبذل التضحيات والجهود لإعادة البناء وفق المنهاج الإسلامي. ويجب أن تصرف طاقات هذه الأجيال المباركة التي لا تستطيع مدارسنا ولا أنظمتنا الاقتصادية -وهي محكومة بالنهب الأجنبي والنفعية البورجوازية- أن تكونها أو توظفها. 

إن الأجيال التي ضحي بها وأسيء تعليمها قد وصلت سن العنف، وستنتقل وشيكا من البطالة وتعاطي المخدرات إلى الانفجار. إن القدر يطرق الباب والوقت يعمل لصالح الإسلام باعتباره آخر ملجإ. ونحن لا نسر مطلقا للمآسي التي يعاني منها شعبنا ولكن الواجب يفرض علينا أن نكون يقظين متبصرين.

قلنا إن الثورة الإسلامية لا تعني العنف والانتقام، ولكنها لا تعني كذلك الأخلاقية الخائرة المبلدة – بل إن الثورة الإسلامية تعني جهادا منظما وفق قانون مضبوط: عدالة ذات أسس أخلاقية مرضية تنسجم وسائلها مع غاياتها، تضحيات مبذولة عن رضى وطواعية، وجهود مصروفة لتسود المساواة الإسلامية الأصلية. لابد من تغيير الأوضاع الراهنة وإلا فهناك خطر الوقوع في المنزلق الحتمي أو التعنت الذي لا يقل عنه خطرا. ويوما ما سيفجر الحقد الطبقي الذي يزداد تأججا خلف المظاهر الخادعة والانضباط الكاذب، وسيأخذ العنف مجراه ليتخذ من سفك الدم وسيلة لإشباع نهم أولئك المحرومين القابعين في فقرهم من شبان ضاع مستقبلهم ومغامرين لا ضمائر لهم … وسيكون الإسلام وقتئذ قد حذر بجلاء، ووضع الحقائق القاسية المرة أمام أعين أساتذة السياسة من حكامنا والمعارضين المتواطئين معهم الذين يحترفون تزوير الحقائق.

نحن مع المستضعفين، وينبني على ذلك نجاح كل مشروع للتحديد وخاصة الحصول على السعادة الأبدية التي يخصها الله للصادقين من عباده الذين تخلصوا من كل أنانيات وأحقاد المتجبرين.

إن العالم بالنسبة إلينا وعلى ضوء ما جاء به القرآن ينقسم إلى معسكرين: «مستكبرين ومستضعفين» ولكن المفاهيم الجاهزة المقطوع بها من مثل شمال – جنوب، إمبريالية شيطانية- أخ مجير كبير ليست مفاهيمنا.

فداخل كل بلد يوجد «مستكبرون» وهم خلفاء المستغلين الأجانب المتواطئون معهم ضد مصالح شعبهم. والمستكبرون بالنسبة إلينا مجموعة الطبقة العالمية التي تنتظم مصاصي الدماء المحليين والعقبان الرأسماليين والمستبدين الصغار التبعيين إلى جانب الرأسماليين الكبار. ويمكن التماس نوع من التشابه بين تقسيم: «مستكبرون/مستضعفون» وبين التقسيمات الرائجة التي تميز القوى الإمبرالية عن غيرها: الشمال الغني المتطور والقوي عن الجنوب الفقير المستغل. ولكن الفارق النفسي الذي يحدد الصفات المشتركة بين المتجبرين الذين يفرضون سيطرتهم القمعية على معذبي الأرض ليمنعوهم من التحرر من العبودية المادية والاجتماعية من التشوق إلى الله في تفتح ذهني أخلاقي وإشعاع روحي لا يشرحه إلا المفهوم القرآني المزدوج (مستضعفون/مستكبرون). والإسلام يحارب ويناهض هذه الروح الإلحادية خاصة ويجب أن يحاربها في جميع أشكالها، وهي مختبئة وراء مسوحها الاجتماعية والاقتصادية أو متخذة شكل تضامن عالمي يضم جبابرة العالم ومحتقري الجنس البشري. روح التجبر هذه إذا لم يكبح جماحها توجه إلى الله يخلصها من أدرانها، فإنها ستبرز دائما لتعيث نفس الفساد في الأرض، دونما نظر إلى الطبقة التي استبد بها الغضب لتتخلص من السيطرة التي تضايقها.

والثورات على الطريقة الغربية تعتمد دائما على تغيير البنيات وإحلال طبقة حاكمة محل أخرى واستبدال إيديولوجية أو سياسة بأخرى. أما التغيير الإسلامي فإنه لا يقبل الاحتفاظ ببنيات مستبدة ظالمة ولا يسمح لنفس الرجال الفاسدين أن يجربوا ألوانا أخرى من الخداع والنفاق، ويمتلك السر الذي يمكنه من تغيير الإنسان، فمنهاجه يجنبه معالجة نزوات قديمة بنزوات جديدة. نعم إن تربية الإنسان الجديد هي الهدف الطموح لكل ثورة. فالثورتان الروسية والكوبية مثلا استطاعتا أن تكونا بالوسائل المادية والبشرية المعروفة تقنيين وجنودا واستطاعتا إنتاج آلات بطريقة أقل فعالية بكثير من الطريقة الإمبريالية، وكان ثمن هذه المنجزات باهظا جدا، إلا أن الإنسان السوفياتي أو الكوبي لم يتغير إذ سرعان ما تمحى صورة الثري المناضل لتحل محلها صورة الإنسان القديم بكل عقده وشرهه وانتهازيته. ولا يلبث الحزب بمجرد وصوله إلى الحكم وتحت تأثير المغريات المختلفة أن يظهر بنفس صورة مستبدي الأمس مع فعالية أقل وخسارة في الأرواح أكبر، لأن التلازم بين الصورتين متين والانقطاع مستحيل.

أضف تعليقك