نور على نور

نور على نور

قال تعالى: نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(سورة النور،35).

إذا حل نور الله في قلب المؤمن، واستنار بالإيمان بالله، ومعرفة الله، ومحبة الله، وذكر الله، فذلك هو القلب الذي ينبض بالحياة، قال الله عز وجل: أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا(سورة الأنعام، 122).

فقلب المؤمن الذي هداه الله بنور فطرته التي فطره عليها، ليس كقلب الغافل البعيد عن الحق، الهائم في الظلمات وليس بخارج منها. إن الله عز وجل خلق الإنسان على الفطرة، قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (سورة الروم، 30). سورة الروم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».

وصفاء الفطرة نور في القلب الحي الواعي المجاهد، فطالب الهداية يتحتم عليه الجهاد وقد جعل الله للهداية شرطا هو الجهاد. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ(سورة العنكبوت، 69). وأكمل الناس هداية أقواهم جهادا، جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، وجهاد الهوى، فمن جاهد كل هذه في الله يسر الله له سبل الهداية، وجعل له نورا يمشي به في الناس، قال الجنيد رحمه الله مفسرا: «والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص»، ومن عطل هذه الأنواع من الجهاد، سد دونه باب الهداية، وأصبح النور لا يجد منفذا إلى القلب المظلم الغافل عن ذكر الله، ومحبة الله، ومعرفة الله، قال عز وجل: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( سورة ق، 37).

والقلب محل التلقي القابل لاستقبال نور الله، وهو شهيد حاضر غير غافل ولا غائب، ولا يزال العبد يتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة حتى يكتب من المقربين والمحبوبين عند الله، ومن أوليائه تعالى. جاء في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليها، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذ بي لأعيدنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المومن يكره الموت وأنا أكره مساءته». وهذا لفظ البخاري رحمه الله تعالى.

وبنور الطاعات والعبادات يتطهر القلب من أدران الشهوات وحب الدنيا، وبالمداومة على الذكر يتنبه القلب ويستيقظ من سباته، لأن القلب النائم مآله الخسران والحسرة! أما القلب الحي الدائم الذكر، الكثير السجود، فيكون أقرب إلى الله تعالى وأحب إليه.

والفطرة الطاهرة النظيفة متأصلة في الإنسان، ومولودة معه، فإذا اجتمع للمؤمن نور الفطرة ونور الوحي، نور على نور، أصبح يدرك بالإلهام الإلهي الحق، قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى: «وهكذا المؤمن قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته، فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثرا، ثم يسمع الأثر مطابقا لما شهدت به فطرته مجملا، ثم يسمع الأثر جاء به مفصلا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة». الوابل الصيب: 49.

والأعمال تعبير صادق للباطن، إما أن تعبر عن الفطرة بطاعة الله والوقوف عند حدوده، والقيام بأوامره وفرائضه، وإما أن تعبر عن الفسق والانحراف عن الدين، لأن الإنسان مجبول على شيئين اثنين لا ثالث لهما؛ مجبول على دوافع الخير، ومجبول على نوازع الشر ليس إلا.

فالاتجاهات شتى والطرق مختلفة، ولكنها تؤدي إلى أمرين اثنين مع تشعبها اختلاف مسالكها توصل إلى الخير أو الشر، فطرق الخير والهداية السعادة والإيمان كثيرة ومتنوعة، وطرق الشيطان والغني والضلال أيضا متفرعة بعضها عن بعض.

بقلم الأستاذ علي سقراط رحمه الله ” مجلة الجماعة العدد الخامس عشر”

أضف تعليقك