عَلِيٌّ مَصْدَرُ رَحْمَة وسُقْراطُ مَنْبَعُ حِكْمَة

عَلِيٌّ مَصْدَرُ رَحْمَة وسُقْراطُ مَنْبَعُ حِكْمَة

بقلم: الأستاذ منير ركراكي

 توطئة

لَمّا نُعِيَ إِلَيَّ الفقيد الحميد حَزِنَ القلب وأدمعَتِ العَيْنُ ولم يَحُل بيني وبين جنازته وتأبينِه مَرَضٌ ولا بَيْن. كيف لا وعلاقتي بالرّجُل الفضيل لا يعلم إلاّ الله سبحانه مَداها! هو مَن بَذَرَها في القلب وسقاها، وأنبتها نباتا حسنا فأثْمَرَت لطائِفَ مِنَناً.

والله يسأل عن صحبة ساعة، وقد جمَعَتني بالمرحوم بفضل الله ورحمته صُحبة ساعات؛ ساعات محبّة وأدَب، وساعات ذِكْر وشِعْر. كان رحمه الله يحتفل بشعري على تواضعه وبساطته أيّ احتفال، ويطلب إليّ أن أُمكِّنَه من نسخة منه في كلّ مجال وعلى كلّ حال، ويُمِدّني بما كتب على وجه الاستعجال فيلقى منّي كلّ حَفاوَة واهتبال، واستبشار وحسن استقبال. زُرتُهُ مرّات في بيته؛ بيت الإمام المجدّد المرشد رحمه الله، فكنتُ ألقى منه وصحبي أكْرَمَ ضيافة؛ لذَّة طعامٍ، ولمسَةَ احترام، وبَسْمَة وئامٍ. وحين أُودِّعُهُ يحزن القلب والدّموع سجام. وها أنَذا أُودّعُه ليس لي ما يليق أُقدّمُه فهل تكون هذه الأبيات التي نُظِمَت على عجلَةٍ وفوق أربع عجلات بسيطاً على بسيط، بُرهان صدق محبّة أعيى الخَطْبُ لسانَها، وألْجَم بَيانَها، وفي شِغافِ القلب يجد الباحث عميقاً في عميق يُزري ريُّها ورُواؤُها بقافية القريض وروِيِّها.

سُقراطُ يا نخلةً والنّخل مُنتَجَب***أصلُ الثّباتِ فلا شكٌّ ولا رِيَب
وفَرْعُه في السَّما زاهٍ لَهُ ثُمُرٌ***لا يشتكي الجوع مَن في بَيْتِه رُطَب
سُقراطُ يا نَحْلَة الإحسان صَفْوَتَه***شَرابُها عَسَلٌ يُشْفى به الوَصَب
سُقراطُ يا صُحبة الأجيال أعْتقها***مُذ كان ياسينُ طِفْلاً دَأْبُه عَجَب
كُنْتَ الرَّفيقَ وكنت الصَبَّ تَتْبَعُهُ***إلى الكتاتيب حيثُ الشَّيْخُ يَرْتَقِب
وإن يَغِب كُنْتَ تخشى حابِساً جَلَلاً***وأَن يُقالَ لكَ استَفْسِرْهُ ما السَّبَب
لِهَيْبَةِ الطِّفْل تعظيماً لِحُرْمَتِه***يا ربّ كيف جلالُ الطِّفْلِ يُرْتَهَبُ؟!
وكُنْتَ عَوْنَ حبيبِ القلبِ ساعِدَه***في حِضْنِ زاويةٍ زالَتْ بها الحُجُب
عَبّاسُها عارِفٌ بالله ذو وَرَع***غُصْنٌ لِدَوْحةِ خير الخَلْق ينتَسِب
كُنْتَ الأنيس مع الملاّخ أحْمَدِنا***وثالِثٍ عَلَوِيٍّ فِتْيَةٌ نُجُب
أَقامَ ياسينُ بالطّوفانِ حُجّتَه***على المليك ومَن للمَلْكِ مُنجَذِب
وبعد أسْرِ الأُسى ظُلْماً ومَهْزَلَة***كُنْتَ الوصِيَّ تَفي طوعاً بما يَجِب
خَلَفْتَهُ وخَلَفْتَ الصّاحِبَيْنِ مَدىً***في أَهْلِهِم بُورِكَ الأَسرى ومَن نَدَبوا
سُقراطُ جاوَزْتَ إغريقِيَّهُم حِكَماً***أين المُسَدَّدُ ممّن إرثُهُ خُطَب؟!
كُنْتَ المَلاذَ لشُبّانٍ بك اعتَصَموا***ومَن يكن راحِماً تُجلى به الكُرَبُ
فكم بيوتاً وقاها الله مِن غِيَرٍ***كُنْتَ المُجيرَ لها يُطفى بك اللّهَب
مُعلِّماً ومُديراً كُنتَ مَفْخَرَةً***وحافِظاً وإماماً عِلْمُهُ قَرَب1
في كلّ مَحْمَدَةٍ للحِبِّ مَلْحَمَةٌ***وفي أُصولِ مَعانينا لهُ كُتُبُ
وفي القلوب له نَبْضٌ ومَنزِلَةٌ***النَّبْضُ مِن وَلَهٍ والمَنْزِلُ الأَدَبُ
وعند كُلِّ اعتِكافٍ كان شامَتَنا***وفي الرِّباطِ حُضورُ الحِبِّ يُرتَقَب
وجْهٌ تُذَكِّرُ بالرّحمن رُؤيَتُهُ***بَراءَةٌ وصَفاءٌ خُلقُه الحَدَبُ
قد اشتَرى مِن صَفِيّ الله مَنْزِلَهُ***والبيتُ كالقَلْب نُزْلٌ والمُضيفُ أَب
هُم سبعةٌ صَفْوةُ الحَمْراء قُدوَتُها***رجالُ عِلْمٍ وإيمانٍ لهم قِبَب
مُعلّقاتٌ على أستارِ كَعْبَتِها***وكم وَلِيّاً مِن الأقطاب ما احتَسَبوا؟!
مِن تحتها رِمَمٌ ماتَتْ على رَشَدٍ***وفَوقَها قِمَمٌ في أُفقِها شُهُب
ها قَد قضى مِنهمُ قُطبانِ في جَدَثٍ***وثالِثُ الرَّكْبِ سُقْراطٌ له عُقُب2
البِنْتُ مِن صالِحِ الأعمالِ أفْضَلِها***والاِبْنُ للدّعوة الفُضلى هو العَصَب
وكم لِسُقراطِنا مِن عاقِبٍ ثَبَتٍ3***وجارِياتٍ وعِلْمٍ، والصُّوى شُعَب
هيهات تَنْقَطِعُ الأعمالُ بَعْد رَدى***مَن كان لله دامَتْ بعدَهُ القُرَب
رَعِيلُنا الأوّل الغالي قَضى ومَضى***لا تحسِبنَّهُمُ غابوا وإن ذَهَبوا
مِلءَ الجَنانِ وحُزنُ القلبِ مُنكَتِمٌ***ذِكْرَ اللِّسان ودَمْعُ العَيْنِ مُنْسَكِب
طَيْفَ المَنام وفي الرُّؤْيا له اَلَقٌ***ضَيْفَ المَقامِ سرورُ الأَهْلِ مُنْقَلَب
نَمْ مُطمَئِنّاً هنيئاً فالمَدى سُرُرٌ***بين الأحِبَّةِ ياسينٌ ومَن صَحِبوا
والزَّوْجُ سابِقَةٌ، والزّوجُ لاحِقَةٌ***والنَّسْلُ مِن قَلْبِه والصُّلْبِ مُنْتَخَب
مُحَرَّمٌ كان يومَ الفَقْدِ موعِدَهُ***ودَفْنُهُ أَحَداً كي تحضُرَ العُصَبُ
وفي حِمى الشُّهداء القبرُ موضِعُه***بشائِرٌ لرفيقِ الدَّرْبِ تُحْتَسَبُ
السُّقْمُ طهَّرَهُ للظَّعْنِ هيَّأَهُ***مِن دارِ فانِيَةٍ، سِجْنٌ به نَصَب
شوقاً لباقِيَةٍ، حُسنى بها نِعَمٌ***واللهُ مَوعِدُه والنَّظْرَةُ الأَرَب
رَفيقُه المُصطفى تُرجى شفاعَتُه***والآلُ؛ زوجاتُه والصِّهْرُ والنَّسَبُ
والصّحبُ جيرَتُه أكْرِم بهم سنَداً***إخوانُ طه بهم يدنو ويقترِب
صلّوا عليهِم جميعاً دائِماً أبَداً***ما حنَّ شوقاً إلى السّوداءِ مُنتَحِبُ
صلّوا عليهِم جميعاً دائِماً أبَداً***ما حنَّ صَبٌّ إلى الخضراء مُغتَرِب
صلّوا عليهِم جميعاً دائِماً أبَداً***ما حنَّ للمسجِد الأقصى أُسىً سُحِبوا
أَسْرى وجَرْحى وقَتْلى كُلُّهُم شَغَفٌ***بموتةٍ في رِباطٍ تُربُهُ ذَهَبُ

أضف تعليقك