القومة

القومة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . اللهم اجعلنا من الفائزين يا أرحم الراحمين.

أيها الإخوة، أيها الشباب الصالح، أيها المؤمنون، مجلسنا هذا الثالث والثلاثون من سلسلة مجالسنا في الحديث عن المنهاج النبوي، عن شعب الإيمان، عن تجديد الخلافة على منهاج النبوة إن شاء الله، نعقده في هذا اليوم المبارك يوم الأحد التاسع من شهر جمادى الثانية من القرن الخامس عشر قرن التجديد والخلافة على منهاج النبوة إن شاء الله تعالى، ونتحدث فيه عن المنهاج وعن التسلسل العملي الجهادي.

المنهاج طريق

فالمنهاج الطريق، وهي الطريق الطويلة تبتدئ بيقظة المؤمنين، ثم تربية المؤمنين، ثم تنظيم المؤمنين، ثم قيام المؤمنين، ثم نصر الله للمؤمنين، وإلى أن يحقق الله عز وجل رجاء الأمة بقيام الخلافة على منهاج النبوة، إلى أن يحقق الله عز وجل رجاء كل مؤمن بأن يحشره مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يدخله الجنة ويؤتيه رضاه ويعرفه وجهه الكريم يوم وجوه ناظرة إلى مولاها كالذين سبقت لهم الحسنى، اللهم اجعلنا من هذه الطائفة المباركة.

في هذا اليوم المبارك سنتحدث إن شاء الله عن القومة.

إن لأعداء الإسلام وخصومه مصطلحات يعبرون بها عن نياتهم ويصفون بها أساليب عملهم. نسمع من المسلمين من يتحدث عن الثورة الإسلامية، وآخرون يقولون الإصلاح الإسلامي وهي اصطلاحات جاءت من عند غيرنا، فلذلك نفضل أن نستعمل مصطلحات إسلامية، نقول قومة إسلامية، ما هي هذه القومة؟ وكيف تكون؟ ما مبدؤها؟ ما منتهاها؟ ما وسائلها؟ ما غايتها؟ ما أسلوبها؟ هذه الأسئلة تلحق بالأسئلة الأخرى الواسعة التي تتعلق بالتربية : كيف نربي المؤمنين؟ على ما نربيهم؟ بأي أسلوب؟ وفي أي تجمع؟ هذا إذا ما أضفنا أسئلة أخرى عن التنظيم : كيف ننظم جند الله؟ ولماذا يجب تنظيمهم؟ وكيف يجب تنظيمهم؟ ولأي شيء نعدهم؟

لن أجيب عن الأسئلة المتعلقة بالقومة في هذا المجلس وحده ولا عن الأسئلة الأخرى. فإن لهذا نعقد هذه المجالس وجعلناها متسلسلة لنتعرض شيئا فشيئا لمعرفة ما يلزمنا، ما يلزم جند الله، وما يقتضيه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، أقول وقومة.

القومة قيام بالقسط

إخوتي قال الله عز وجل في سورة الحديد : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ، قيام الناس بالقسط غاية من أجلها أرسل الله النبيئين والرسل وأرسل معهم البينات وأنزل معهم الكتاب والميزان. القسط هو العدل، والعدل مطلب شرعي، ومن أهم المقاصد الشرعية التي يجب على الأمة أن تقيمها، وعلى جند الله أن يسعوا لتحقيقها.

العدل، القسط، قال الله تعالى : ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ، نرى في مجتمعاتنا المسلمة المظلومة عدوانا وجورا، وتعديا لحدود الله، وظلما فاحشا. الله عز وجل قال : ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ، وقال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ، وقال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ لهذا السبب أمر الله بالعدل.

الوارثون القائمون

إن العدل هو أهم ما نفتقده في حكام الجبر. فكيف يقوم الناس بالقسط؟ من هم هؤلاء الناس؟ الناس الذين يحكموننا أخلوا بالقسط، أخلوا بالعدل، بل أهدروا الدين كله، بل حاربوه، أننتظر من هؤلاء الناس أن يقوموا بالقسط؟! لا. ندعوهم ونعظهم، لكن عندما ندعوهم لا يكن ذلك انطلاقا من غباء سياسي أو أمية تاريخية. نحن نقرأ التاريخ في كتب التاريخ، ونقرأ عبرة التاريخ في كتاب الله عز وجل، عرفنا كيف كان المستكبرون وكيف كان الظالمون، كانوا يهدرون حقوق المستضعفين. وأخبر الله عز وجل أن الأمر عبر التاريخ صراع بين المستكبرين والمستضعفين. ونقرأ في كتاب الله عز وجل سنته في الكون أن أمام كل طائفة مستكبرة يقوم داع إلى الله، رسول أو نبي أو وارث يدعوهم إلى الله ويعذبونه ويشردونه ويقتلون أتباعه حتى يأتي الله بالنصر. عندما ندعو حكامنا الذين قاموا بالسيف على رقابنا ولم نرضاهم، ولم تخترهم الأمة ولم نخترهم، ولذلك سمي المُلكُ ملك الجبر، وسمي الحكامُ حكام الجبر، ندعوهم لكي يرجعوا إلى الله ولكي يتوبوا إلى الله ولكي يقيموا العدل كما أمر الله ولا نفعل ذلك غباء في السياسة أو جهلا للتاريخ، وإنما نفعل ذلك لأن الله أمرنا أن ندعو الناس للرجوع إليه.

في تاريخ المسلمين أمثلة

ثم لأن في تاريخ المسلمين أمثلة، نذكر مثالا واحدا هو مثال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان ملكا جبارا فلما ولي هو الملك حاول أن يسترجع الخلافة الراشدة، ولقد عده العلماء وعدته الأمة من الخلفاء الراشدين، لأنه قام بمحاولة فريدة من نوعها. نحن عندما نخاطب حكام اليوم وحكام الغد، نسأل الله أن يجثث هذه النبتة الخبيثة وهي نبتة الجور والظلم من بلاد المسلمين، عندما نخاطبهم نقول: ارجعوا إلى الله، نفعل ذلك لأن الله أمرنا، وعندما نقول لهم: كونوا مثل عمر بن عبد العزيز، افعلوا كما فعل عمر بن عبد العزيز، نقول ذلك لأن في تاريخنا حدث هذا، عمر ابن عبد العزيز تاب إلى الله.

الله أمرنا أن يقوم الناس بالقسط، فأي الناس يقوم بالقسط؟

القومة في الكتاب والسنة

إخوتي إن كلمة قام في القرآن وفي السنة تحمل معنى القوة ومعنى النهضة ومعنى تحمل الأعباء الثقيلة لإنجاز عظائم الأمور. ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ قال الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ، وقال تعالى : ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ ، وقال الله تعالى : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ ففي كل هذه الآيات تأتي كلمة قام تدل على القوة على إنجاز عمل وتنفيذه بقوة. نقرأ في كتاب الله عز وجل إقامة الصلاة وهو كثير جدا أمرا وإخبارا ﴿ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ والصلاة إن قمت تؤديها دون أن تستجمع كل قواك الظاهرة لتمنع الجسم عن الانحراف عن القبلة وعن تغيير أوضاع الصلاة، ولم تستجمع قواك القلبية لكي تحضر أمام الله عز وجل في الصلاة، لكي تكون ذاكرا الله في الصلاة فهذه لا تسمى صلاة !! إقامة الصلاة تقتضي أن تقوم للصلاة وأن تؤديها بعزم وقوة وإقبال كامل على الله.

القومة هي عمل جاد صارم، الذي يقوم يجب أن يقوم لله. ماذا عليه؟ عليه أن يتحمل كل تبعات قومته.

في الأسبوع الأخير كنا تحدثنا عن الحديث النبوي الذي يتحدث فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على أن الكتاب والسلطان سيفترقان وعندما سألوه: ماذا نفعل إن افترقا؟ قال : “كما فعل أصحاب موسى نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب” ، يتحمل مسؤوليته في القيام ضد الباطل. كذلك نحن.

عندما نقول قومة لا نقصد بتاتا ما يفعله بعض إخواننا من التخفي والتستر والتكتم لكي لا يطلع علينا الحكام، لانقصد بالقومة أن نجهر بالحق ونتحمل التبعات في سبيل الله. فهو حساب شرعي عندما أمرنا أن نقوم بالقسط، وهو حساب سني لأنه اتباع للرسول صلى الله عليه وسلم ولمن قبله من الرسل والدعاة والنبيئين قاموا في وجه الطاغوت، قاموا في وجه الظلم، ولم يتخفوا، ثم إنه حساب سياسي لأن هذه البلاد المسكينة المستضعفة بلاد المسلمين، للناس فيها حقوق، حقوق المواطنة.

فباسم حقوق المواطنة يمارس الشيوعي شيوعيته والحزبي المصلحي مصالحه والمرتشي رشوته والمفسد فساده، لأنه مواطن له حقوق. لكن يا عجبا كيف يمنع المواطن من حقه الأساسي الإلهي أن يمارس الإسلام وأن يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الحاكم في المستدرك عن جابر رضي الله عنه : “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” ، نجد هنا كلمة قام. قومة في الكتاب والسنة. هكذا نقول، لا نقول ثورة لأن الثورة معناها الاضطراب الفوضى وسفكا للدماء وقتال، وبعد ذلك صراع طبقي كما يحدث فيما يسمونه الثورات الاشتراكية والشيوعية وغيرها. والإسلام هل يريد هذا؟ هل يريد سفك الدماء؟ لا.

فنقول قومة، ونقصد بها أن نقوم مطالبين بحقوقنا لكي يتم الحكم بما أنزل الله عن طريق ممارسة عملنا بمعرفة الكل وأمام الله وأمام الناس.

لكن فيما إذا أبى الحكام أن يفتحوا لنا المجال وأصروا على أن يقمعونا ويقتلونا ويزجوا بنا في السجون وأن يلفقوا لنا التهم، ماذا نفعل؟ هل نسكت؟ !!

كيف سيتعامل الحكام مع القومة؟

إن في بلاد المسلمين في المغرب وخارج المغرب قوة صاعدة ماضية عازمة هي قوة هذه الصحوة الإسلامية التي يسمونها الصحوة الإسلامية والتي يحاولون أن يلفوها وأن يَحْتَوِشُوهَا وأن يضموها إليهم ويستغلوها. هذه القوة السياسية على حكام الجبر أن يتعلموا كيف يتعاملون معها، فإنهم إن صَحِبَهُمْ بعض الذكاء سيجدون أن مصلحتهم مؤقتة لأجل أن يفسحوا المجال للصوت الإسلامي، للتحرك الإسلامي، للتربية الإسلامية، للتنظيم الإسلامي كي يعبر عن نفسه ولكي يتقدم المؤمنون بعمل مسؤول ينقذون به الأمة. فإن خانهم الذكاء وحالفهم النحس استمروا في اضطهاد المؤمنين واستمروا في وحشيتهم القمعية والعاقبة على كل حال للمتقين ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ، فأي قوة في السماء وفي الأرض، أي قوة من قوى الإنس والجن تستطيع أن تقوم دون تحقيق وعد الله؟ !!

كتب الشيخ الجليل المودودي رحمه الله كتابا، أسماه ‘الخلافة والملك’، وهو من آخر ما كتب، وتعرض فيه لمشروعية القومة ضد الظلم، وكان هذا الداعية الإسلامي الجليل، رحمه الله وأنزل عليه شآبيب رحمته، كان من أكثر الدعاة حرصا على حقن دماء المسلمين، من أكثرهم حرصا على الرفق، ومع ذلك فإنه عندما لا يجدي الرفق الذي طلبه المودودي وسعى إليه، ونطلبه نحن ونسعى إليه، عندما لا يجدي الرفق ماذا يبقى؟ يبقى أن ينتظر الحكام انفجارا مثل الانفجار في إيران، عندما يصل غضب الشعب إلى درجة لا تقبل التسكين فيخرج الشعب للشوارع ويتلقى بالصدور العارية الرصاص والمدافع، ويتلقى بالأذرعة مجردة الدبابات والأسلحة الجهنمية، العاقبة دائما للمتقين هذا حدث في إيران ويحدث في غيرها.

يقول الشيخ المودودي رحمه الله: “والسبب”، يقصد السبب في ظهور القومات الإسلامية، “سببان: الأول هو أن الجبابرة لم يتركوا أي طريق مفتوح أمام التغيير بطرق ديموقراطية سليمة” نقول نحن بلسان شرعي بطرق شورية سليمة. السبب الأول في الانفجارات التي وقعت تاريخ الإسلام، والتي من المتوقع أن يحدث مثلها أو أكثر منها هو أن حكام الجبر سماهم الجبابرة، “هو أن الجبابرة لم يتركوا أي طريق مفتوح أمام التغيير بطريقة ديموقراطية سليمة”. “والثاني أن المحاولات التي كانت تتم لإحداث التغيير عن طريق السيف أسفرت عن تلك النتائج المتوالية التي لم يبق بعد رؤيتها توقع صدور الخير عن هذا الطريق أيضا” كان يقصد بالسبب الثاني هو أن الجبابرة منعوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنعوا العلماء والدعاة والمجاهدين أن يوقفوهم وأن يوقفوا كل ظالم جنحت يديه منعوا هذا فوقع الانفجارات المتتالية وأصبح السيف هو الحاكم في تاريخ المسلمين. لا تكاد تجد تغييرا إلا بالسيف. هذا ماض مزمن في الأمة نسأل الله عز وجل أن ينهيه عنا بقيام ما وعد الله عز وجل ورسوله من تجدد الخلافة على منهاج النبوة.

إن الله سبحانه وتعالى ضمن للمؤمنين حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل أوجب على كل مؤمن على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، الآيات في هذا كثيرة وفي أحاديث كثيرة.

فماذا يحدث عندما يتعرض الحاكم لمن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ يسكتهم أو يضطهدهم أو يقتلهم أو يسفك دماءهم، ماذا يحدث؟ يقوم رجال أقوياء بالقومة يقومون ضد الحكم الجبار بالسيف.

مشاركة أئمة المذاهب والفقهاء في قومات آل البيت

في تاريخ الإسلام قومات قام بها آل البيت، منهم الحسين بن علي، منهم الإمام زيد بن علي، منهم الإمام إبراهيم بن عبد الله أخو النفس الزكية، منهم محمد النفس الزكية، منهم يحيى. وعند الزيدية، وهو مذهب أحمد، كل من قام بالسيف فله الحق.

يقول الشيخ المودودي في كتابه هذا: “ولما خرج إبراهيم أخو النفس الزكية في سنة 145هـ جهر أبو حنيفة بتأييده ومناصرته ضد المنصور”. أبو حنيفة إمام من أئمة المسلمين وعالم من علمائهم العظام، وعلم من أعلام الأمة، قام، جهر بتأييده ومناصرة إبراهيم. في سنة 149هـ بعد قومة إبراهيم ثار أهل الموصل وكان المنصور قد أخذ عليهم عهدا قبل ذلك حين ثاروا عليه مرة أن لو فعلوها مرة أخرى حلت لهم دماءهم، ثاروا على المنصور وكان أخذ عليهم عهدا أن إن عادوا إلى ثورة قتلهم فدماءهم حلال، فلما ثاروا عليه مرة ثانية دعى المنصور أجلة الفقهاء كان أبو حنيفة منهم واستفتاهم أتحل له دماءهم وأموالهم حسب ما عاهدوه أم لا. استند العلماء إلى المعاهدة وقالوا: إن عفوت فأنت أهل العفو، وإن عاقبت فيما يستحقون. هاذوا العلماء الضعاف. سكت أبو حنيفة عن الجواب فقال له المنصور: ماذا تقول أنت يا شيخ. فرد عليه: إنهم شرطوا لك ما لا يملكونه،يعني دماءهم، فإنه تقرر أن النفس لا يجري فيها البذل والإباحة، وشرطت عليهم ما ليس لك لأن دم المسلمين لا يحل إلا بإحدى معان ثلاث. أرأيت إن أحلت امرأة نفسها للرجل بغير نكاح أتحل له. وإذا قال رجل لآخر اقتلني، أيحل له قتله. قال له المنصور: لا. قال: فكف يدك عن يد الموصل فلا تحل لك دماءهم. هذه فتوى الرجال. اليوم أشباه الرجال وأشباه العلماء يصدرون فتاوى، بل يصدرون من الكلام الزور المنمق تراتيل رهبانية تصحب الطقوس التي ترونها وتعرفونها. أبو حنيفة قال لا حق لك في دماءهم، قاموا ضد الظلم، وبالسيف، فلا حق لك أن تسفك دماءهم ولا أن تأخذ أموالهم فلم يرض المنصور عن هذا وأمرهم بالقيام وتفرقوا، ثم دعاه وحده، فقال القول ما قلت: انصرف إلى بلادك ولا تفتي الناس بما شين على إمامك فتبسط أيدي الخوارج !! هنا نرى أن الإمام أبا حنيفة أفتى بحق.

يقول الشيخ المودودي ينقل هذا عن كتاب ‘أحكام القرآن’ يقول مؤلف الكتاب وهو أبو بكر الجصاص يقول عن أبي حنيفة: “وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور ولذلك قال الأوزاعي احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف، يعني قتال الظلمة، فلم نحتمله. وكان من قوله وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قوله أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف” هذا رأي أبا حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.

خرج الإمام زيد بن علي وهو أخ الإمام محمد الباقر حفيد الحسين رضي الله عنهم خرج في سنة 120هـ . فماذا فعل أبو حنيفة يقول الشيخ المودودي: “ساعد الإمام أبو حنيفة زيدا في خروجه”. هؤلاء أئمة الشيعة زيد والنفس الزكية –هؤلاء كلهم من آل البيت وإخوتنا الشيعة يعظمونهم. فمن كان من جانبهم؟ كان أئمتنا، أئمة المسلمين، أبو حنيفة هو إمام المسلمين من أهل السنة ليس هناك سنة وشيعة إلا باعتبار الخلافات المذهبية، نسأل الله تعالى أن يجنبنا آفاتها. قال “ساعد أبو حنيفة زيدا في فعله هذا وأمده بالمال وكان ينصح الناس ويأمرهم بالوقوف إلى جانبه وشبه خروجه بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وشبه خروجه على ظلمة بني أمية بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر، هذا أبو حنيفة الإمام.

الإمام محمد بن عبد الله الملقب بالنفس الزكية خرج هو وأخوه إبراهيم في سنة 145هـ .ماذا فعل عندها أبو حنيفة؟ كان أبو حنيفة ينصح الناس ويحثهم على مبايعة ومساندة إبراهيم بن عبد الله أخو النفس الزكية، وأفتى بأن الخروج أفضل من الحج النفل خمسين أو سبعين مرة، أفتى بهذا. ويقول المودودي: “ويخطأ من يحسب أن أبا حنيفة وحده بين أهل السنة الذي رأى هذا الرأي في مسألة الثورة، وأنا أسميها قومة، إنما الواقع أن رأيه الذي عبر عنه قولا وفعلا كان يعيه أكابر أهل الدين في القرن الأول الهجري وكان رأي الإمام مالك، وكان رأي الإمام الشافعي يقول الإمام المودودي: “حين ثار عبد الرحمن بن أشعث على الدولة الأموية في زمن ولاية الحجاج الظالمة وقف إلى جانبه آنذاك أكابر الفقهاء أمثال سعيد بن جبير، والشعبي، وبن أبي ليلى، وأبي البحثري. قال: ويذكر ابن كثير أن فرقة عسكرية من القراء يعني العلماء والفقهاء وقفت معهم ولم يقل واحد من العلماء الذين قعدوا عن القيام معه أن خروجه هذا غير جائز” كل العلماء من خرج مع الأشعث خرج، ومن عجز عن الخروج سكت، لم يفتوا أن عبد الرحمن قام بالمنكر. وإنه قام ضد الحكم بني أمية الذين نصبوا الحجاج على رقاب المسلمين فقام بمناكره المعروفة في التاريخ ونحن لو استفدنا من أحوالنا لوجدنا على رؤسنا حجاجون كثير على كل المستويات. حجاجون في السلطة المحلية، حجاجون في القضاء، حجاجون في الشرطة، حجاجون على كل المستوايات، فأنا لنا من أمثال هؤلاء العلماء يفتوننا ماذا نفعل؟ أما المسمى العلماء في زماننا هذا يفتوننا بما تعلمونه وبما يكون خزيا لكل شريف، لكل إنسان شريف، لمجرد مروءة إنسانية فما قولنا في من يسمون علماء. يقول المودودي: اسمعوا إلى الخطب التي ألقاها هؤلاء الفقهاء أمام جيش ابن الأشعث تترجم نظريتهم ترجمة أمينة. قال ابن أبي ليلى وهو من أئمة المسلمين ومن علمائهم الأفاضل، خطب في جيش القومة قال: “أيها المؤمنون إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أحسن من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونور في قلبه اليقين. فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق لا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه” سمى ظلمة زمانه المحلين المحدثين المبتدعين، أما نحن ماذا نسمي صدام حسين محل؟! محدث؟! مبتدع؟! بعثيون، قوميون، ملحدون، يساريون، يمينيون، أمريكيون، روسيون؟!! ماذا نسمي حافظ الأسد الذي يُقتل إخواننا المسلمين في سوريا، وفي حماة؟! قتل عشرة آلاف حسب آخر تقرير سمعته. هذه الأوصاف لا تكفي لوصف من هم على رقاب المسلمين اليوم. قال الإمام الشعبي وهو من أئمة المسلمين وعلمائهم: “يا أهل الإسلام”، قال يخطب في جيش القومة، “يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فو الله ما أعلم قوما على بسط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار”، يعني أسرعوا في القيام ضدهم، قال الإمام سعيد بن جبير وهو الذي قتله بعد ذلك الجبار الحجاج، قال في الجيش: “قاتلوهم ولا تتأثموا من قتالهم بنية ويقين، وعلى آثامهم، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبرهم في الدين واستدلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة” قال قاتلوهم ولا تتأثموا أي لا تحسبون أنكم تأتون إثما، بأن قاتلوهم لا حرج عليكم، ولا تتأثموا من قتالهم بنية ويقين يعني قاتلوهم بنية ويقين. وعلى آثامهم يعني قاتلوهم على ما ارتكبوا من آثام. يقول المودودي: أما أكابر الأمة الذين لم يقفوا مع ابن الأشعث في الخروج على الحجاج فلم يقولوا هذا الخروج حرام في ذاته إنما قالوا إنه على هذا الشكل عكس ما تقتضيه المصلحة، ولذلك لم يسكت حسن البصري عن هذا فقال: “إنه والله ما سلط الله الحجاج عليكم إلا عقوبة فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع” هذا كلام رجل مسالم فبعض علماءنا عفا الله عنا وعنهم وغفر الله لنا جميعا يقول لكي لا تسفك دماء المسلمين لكي لا يكون قتال بين المسلمين لا نقوم، نرضى ونصمت ونتضرع إلى الله عز وجل، نعم نتضرع إلى الله. لكن الله أمر أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر.

إخوتي حاولت أن أبسط هذا المفهوم القرآني الحديثي من قام قومة، وأكمل ما ذكرته من كتاب المودودي بفقرات من مجلة الجماعة العدد الرابع في هذا الصدد نقلت عن كتاب شذرات الذهب قال: “خرج مع إبراهيم هو أخو النفس الزكية الذي قام سنة 145هـ كثير من القراء والعلماء منهم هشيم وأبو خالد الأحمر وعيسى ابن يونس وعباس بن العوام ويزيد بن هارون وأبو حنيفة وكان يجاهر في أمره ويحث الناس على الخروج معه كما كان مالك يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد وقال أبو اسحاق الفزاري لأبي حنيفة “ما اتقيت الله حين حثثت أخي على الخروج مع إبراهيم فقتل”. فقال: “إنه كما لو قتل يوم بدر. وقال شعبة والله لهي عندي بدر الصغرى””. هذا ذكره في كتاب شذرات ج1 ص217. نقلت عن كتاب شذرات أيضا قلت: وكما نصر أبو حينفة زيدا وبايع محمدا وإبراهيم وكما حث مالك الناس على بيعة محمد الإمام، قام الشافعي رضي الله عنه بواجبه في نقد السلطة العباسية وتحمل نصيبه من الأذى في نصرة الحق في سنة 189هـ. حمل الشافعي من الحجاز إلى هارون الرشيد مع قوم من العلوية بتهمة الطعن على الخليفة فما نجا الشافعي من الموت بعد أن ضربت أعناق أصحابه إلا بتدخل قاضي القصر، وكان صديقا للشافعي، ولما خرج يحيى بن عبد الله ابن الحسن المثنى سنة 193هـ يقول صاحب شذرات بث دعاته في الأرض وبايعه كثير من أهل الحرمين واليمن ومصر والعراقين، وبايعه من العلماء محمد بن إدريس الشافعي الإمام، وعبد ربه ابن علقمة، وسليمان ابن جرير، وبشر بن المعتمر، والحسن بان صالح وغيرهم”، فرأيتم إخوتي أن القومة في سبيل الله هي كانت سنة السلف الصالح رضي الله عنهم وسنة أئمتنا.

حقنا في القومة

نأتي بهذه لنقول ماذا لأنفسنا؟ ولنقول ماذا للحكام؟ نقول لأنفسنا إن لنا الحق في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمارس ديننا كاملا غير منقوص وأن نطالب بحقنا في أن نبرز للعمل السياسي ونعبر عن رأينا ونعبر عن إرادتنا هذا حق من عند الله. الدساتير الجاري بها العمل في بلاد المسلمين تضمن حقوق المواطنة نحن مواطنون فلنا هذا الحق الأرضي أيضا. فلماذا نعذب ونشرد، هذا نقوله لأنفسنا، ونقول مثله للحكام ثم نحذرهم. نقول: احذروا أنكم إن لم تتعلموا كيف تتعاملون مع هذا المد الإسلامي. الذي لا يقاومه ولا يحاول مقاومته إلا جاهل لأنه أمر من أمر الله فلن يوقف أمر الله شيء، إن وقفتم ضد المد الإسلامي ستخوضون الزوابع والانفجارات والدمار المحتم. مفتوحة أمامكم سبيل عمر بن عبد العزيز، توبوا إلى الله، ارجعوا إلى الله، إننا لا نطلب الحكم للحكم، وإنما نريد أن نقيم حكم الله في الأرض، لا يعنينا من قام به، قوموا به أنتم نبايعكم، أحقوا ما أحق الله، أبطلوا ما أبطل الله، فإن لم تقدروا فحاولوا نعذركم، فإن لم تقدروا أن تحققوا ولا أن تحاولوا ثم تماديتم في قمع الحركات الإسلامية فأبشروا بالويل والدمار في الدنيا وبخزي الله في الآخرة.

إخوتي الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه جاء متأخرا لم يعاصر أبا حنيفة ومالك ولم يعاصر قومة زيد وقومة النفس الزكية وقومة إبراهيم. لكنه أفتى بفتوى رواها صاحب كتاب نصوص الفكر الإسلامي عن عبدوس بن مالك العطار قال: قال الإمام أحمد : “ومن غلب عليهم بالسيف “على الظلمة” حتى صار خليفة وصار أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أم فاجرا” . وقال أيضا في رواية أبي حابس في الإمام يخرج من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم قال : “تكون الجماعة مع من غلب” . واحتج بابن عمر رض الله عنه عندما صلى بأهل المدينة في زمن الحرة. في زمن قومة عبد الرحمن بن الأشعث وقال : “نحن مع من غلب” . فإنه لم يكن ضد العلماء لما قاموا في وجه الحجاج ولم يشارك بالسيف ولكنه قال “نحن مع من غلب” فهذا منه تزكية للقومة ضد الحجاج وضد العتاة من بني أمية.

دروس السيرة

إخوتي بعد هذا ننظر نظرات في السيرة النبوية كما ألفنا لأننا لا نأخذ إلا من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نرجع إلى عهد الصحابة رضي الله عنهم لكي نستفتي السيرة هل الوقوف في وجه الظلم يحدث هكذا ثم لا نتيجة بعده لا ضرر علينا منه لا يلحقنا الأذى. من كان يحدث نفسه بذلك فإنما يحلم فإنما يطلب أن تمطره شجرة الزقوم ثمار الجنة. الكفر الظلم في الأرض…لا تمطر إلا الثمار المرة، لا تمطر إلا العذاب نسأل الله عز وجل أن يجنبنا أذاهم وأن يمنعنا منهم، ولكن كما تحمل الصحابة يجب أن نوطن أنفسنا على التحمل، فإن القومة هكذا الحديث فيها شيق وحديث تجده في نفوس كل الأمة، كل الأمة تفرح لهذا عندما يقوله غيرها، عندما يقوله غيري أنا أسمع هذا كلام جيد، ولكن عندما تريد أن تقوم وأن تضحي بالنفس والنفيس، أضحي أنا لا أحب هذه الكلمة، أقول عندما تبذل النفس والنفيس حتى تكون مستعدا لأداء الثمن كما أداه الصحابة، لا والله لا تكون قومتنا إسلامية، ولا يكتب لنا النصر، والنجاح إلا إذا بذلنا كما بذلوا وإلا إذا ابتعنا سبيلهم وسبيل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

اخوتي أخرج ابن إسحاق عن حكيم عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون في ترك دينهم. قال نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويوجعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولون لهم اللات والعزى إلهين من دون الله، ويقولون نعم، حتى إن الجعل، هو الخنفساء، إذا مر بهم فيقولون له الجعل إلهك من دون الله. فيقول: نعم. افتداء منهم بما يبلغون منه من جهد. إن الصحابة تحملوا الأذى تحملا شديدا حتى النهاية. الجوع، الضرب، العطش، العرض في النار، العرض على الشمس في الرمضاء، قرأتم هذا في السيرة فكان يبلغ بأحدهم من العذاب أن يقول هذا الكلام الذي لا يقوله عاقل، يقولون الجعل إله فيقول نعم، يعني حتى نهاية ما يتحمله الإنسان هذا هو البذل وهذا هو الصبر.

أخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وسعيد بن منصور عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : “لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة، أي اجتمع العرب كلهم على آذاهم، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه فقالوا ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله فنزل قول الله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ، رأينا من أنواع الأذى ما تحمله المسلمون في مكة قبل الهجرة. الآن هذا مما تحملوه من بعد الهجرة، كانوا يحملون السلاح ليلا ونهارا، وكانت العرب كلهم تحارب المؤمنين. اليوم لا تعجب إذا كانت الدنيا كلها تحارب القومة الإسلامية وتكيد لها وتدبر لها، هذه سنة الله في الكون لكن العاقبة للمتقين، هؤلاء المتقون لهم العاقبة ولهم النصر ولهم الاستخلاف، إن: هذا شرط. إن هم فعلوا مثلما فعل الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار، تحملوا الأذى صبروا، ضربوا، عذبوا، جوعوا، عطشوا. ثم عندما قاموا، مرحلة القومة بعد الهجرة وتمثلوا في وجه التاريخ ووجه العالم بالقوة السياسية والعسكرية موحدة، تجمعت العرب عليهم كانوا يبيتون في السلاح ويظلون في السلاح. عندما نقول قوة تساوي وتعني قوة. تصوروا يبيتون في السلاح ويظلون في السلاح الشهر والشهرين والعام والأعوام، دائما في عزوات مستمرة في دفاع مستمر في هجوم مستمر. القومة قوة وهي التشمير، وهي الجد، وهي الوثوب في ساحات الموت، إن نحن فعلنا مثلما فعلوا يأتينا وعد الله وإلا لا نبتئس إن اجتمع علينا أمريكا وروسيا وأذناب أمريكا وروسيا بين ظهرانينا لا نبتئس ولا نخاف، ننتظر وعد الله أن يحل علينا، لكن نفعل كما فعل الذين نزلت عليهم قول الله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ، والصالحات أعمال نربي جند الله هذا أول الصالحات، تؤلف وتنظم جند الله شرط أساسي في العمل الصالح، وتهيئ للقومة ضروري، تعظ حكام الجور عمل صالح، تقول قولة الحق عمل صالح، توقظ الأمة كل الأمة نساءها ورجالها توقظهم بالكلمة الطيبة، وبضرب المثل، وبالسلوك المثالي، وباللقاءات وبالزيارات بغشيان مجالس الناس وبحسن السلوك مع الناس، تفهمهم معنى الإسلام وكيف ينبغي أن يكون المسلمون، هذا عمل صالح، قمة العمل الصالح، عندما لا تجدي المواعظ، عندما لا يفتح لك باب لتجهر بالحق لكي تدخل المسجد وتدخل السوق وتدخل البرلمان وتدخل الجامعة وتدخل المدارس وتجهر بكلمة الحق، عندما تسد الأبواب في وجهك، تتويج العمل الصالح القومة، نعم القومة، يموت فيها الآلاف، ويموت فيها عشرات الآلاف، مئات الآلاف لكن تحيى بعدها الأمة هذا ما حدث في إيران وهذا ما سيحدث إن شاء الله في كل بلاد المسلمين.

غزوة ذات الرقاع

إخوتي نأتي بنموذج لصبر المسلمين في الجهاد في سبيل الله في غزوة تسمى غزوة ذات الرقاع. أخرج ابن عساكر وأبو يعلى عن أبي موسى رضي الله عنه قال : “خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، غزوة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه. قال : فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي”، نقبت الأقدام يعني حفيت الأقدام وتجرحت من كثرة المشي في السير، كانوا خفافا وكانوا لا يجدون ما يحملون عليه أزوادهم ولا أنفسهم فهذا منتهى الصبر، “قال : ونقبت قدماي وسقطت أذفاري، من شدة التعب في المشي، قال : فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت الغزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق”. وفي رواية لهذا الحديث عند أبي نعيم أن أبا موسى عندما تحدث بهذا الحديث أتبعه بهاته الكلمة الرائعة كلمة الجندي المجهول الذي لا يريد جزاءا من الناس ولا يريد سمعة ولا يريد أن يقال فلان فعل هكذا كانوا يعملون، يجدون، يجاهدون ويسكتون، نحن كثير منا، ونعوذ بالله أن نحسب من الثرثارين من الذين يقولون ما لا يفعلون، كثير منا يتحدث يتكلم في المجالس ويسب الواقع ويشتم الظلم لكن العمل قليل. الصحابة كانوا يعملون كثيرا، ويسكتون كثيرا، ويتكلمون قليلا، فإن بدر من أحدهم مثل هذا الحديث الذي جعله الله لنا إيساء للاسوة شيئا نتأسى به ونعتمد عليه معنويا، عندما ينطق أحدهم بهذا الكلام الطيب في آخره يعطينا درسا آخر درس في التواضع في إخلاص العمل لله قال الصحابي الجليل أبو موسى ما كنت أصنع لأذكر هذا الحديث، يعني قال ما بالي قلت هذا الحديث، قال الراوي، كأنه كره أن يكون شيء عمله أفشاه، ثم قال الصحابي الجليل أبو موسى الله يجزي به، يعني أن لا ينتظر جزاء من عند أحد إلا من عند الله، ندخل في باب التحمل نأتي بأمثلة في التحمل في تحمل الجوع، أخرج مسلم والترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه : “ألستم في طعام وشراب ما شئتم، وهذا لا شك قال هاته الكلمة بعد أن فتح الله على المسلمين، لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه” الدقل هو الثمر الرديء، ذلك الثمر ‘الخشف’ الذي يرميه الناس كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجد من الطعام حتى الدقل وفي رواية لمسلم عن نعمان بن بشير رضي الله عنه قال : “ذكر عمر رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا” أصابوا الدنيا بعد أن فتح الله عليهم بلاد فارس وحين فتح الله عليهم بلاد الشام، فقال عمر رضي الله عنه “لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه” هذا حديث معروف أخرجه الإمام أحمد وبن ماجه وغيرهم مثال آخر في الصبر على الجوع. أخرج أبو نعيم في الحلية والخطيب وابن عساكر وابن النجار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : “دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي جالسا فقلت “يا رسول الله أراك تصلي جالسا فما أصابك” قال “الجوع يا أبا هريرة” فبكيت فقال : لا تبكي يا أبا هريرة فإن شدة الحساب يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في الدار الدنيا” . تعليم من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لجند الله أن لا ينتظروا الجزاء الدنيا وإنما يحتسبون ذلك عند الله وينتظرون لقاء الله لكي يجزيهم الله عنده.

أخرج الإمام أحمد وسنده سند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : “أرسل إلينا آل أبي بكر رضي الله عنهم بقائمة شاة ليلا فأمسكت وقطع النبي صلى الله عليه وسلم أو قالت أمسك الرسول صلى الله عليه وسلم وقطعت فتقول للذي تحدثه هذا على غير مصباح” يعني لم يكن لهم مصباح يقطعون اللحم في الظلام. الحبيب المصطفى الذي لو سأل لأعطاه الله ملك الدنيا والآخرة.

أضف تعليقك